تقول حكاية شعبية أشبه بالنكته ظل يتداولها العراقيون في مجالسهم الخاصة وبعيدا عن الاعين الذئبية للبعثيين ايام نظام صدام التعيسة ، لااعادها الله علينا وعليكم ، تقول ان كلبين عراقي وتركي التقيا عند حدود بلديهما ، سأل كلبنا العراقي شبيهه التركي لماذا تريد دخول العراق ، اجاب التركي : اريد ان اشبع . ولكن لماذا تريد انت دخول تركيا ؟ . اجابه العراقي : أريد ان انبح …
جميعنا عشنا زمن المحنة المكثفة التي بدأت تطحننا منذ عام 1979 حين انقلب الطاغية المقبور على رفاق الامس واستولى على صولجان الحكم بمسرحية هزيلة هتف فيها انه سوف يكون سيفا بين السيوف وليس السيف الوحيد ، وفي ذات العام قام بكسر حزمة مهمة من السيوف حين اقدم على اعدام ثلة من رفاقه القدامى بدعوى التآمر على الحزب والثورة ، وراحت بذور الرعب تنمو وتكبركل يوم بل كل ساعة ، وصار العراقي محض شبح من الخوف ، تتزارق عيونه في كل اتجاه رعبا من جواسيس السلطة وكلابها المسعورة ، حتى صارت عبارة (للحيطان أذان) لازمة تردف كل حديث ، بما في ذلك حديث الزوج وزوجته والابن وابيه .. وتحت وطأة ذلك كله ، اجتهدت مؤسسة الطغيان في ( فلترة ) كل ما له صلة بانتشار المعلومات عبرالرقابة المشددة على المقروء والمسموع والمرئي والحجب الكامل لمعظم مصادر الخبر او المعلومة ، ليس المختلفة مع سياسة النظام فقط ، بل حتى المحايدة او التي تصنف في خانة التخصصات العلمية او الادبية البعيدة عن المساس بنهج النظام وممارساته ، ما يعكس مدى تطير وهلع تلك المؤسسة وغبائها المحكم . ومع مضي الزمن وتراكم فعل التجهيل المتعمد ، تعمقت الفجوة في وعي جيل كامل من العراقيين وتكرست القطيعة المعرفية بنحو شديد ، ليس بين ماضي العراقيين وحاضرهم فقط ، وانما مع أشواط معرفية وحضارية كبيرة قطعتها بلدان العالم وغاب عنها العراق بفعل رقدته الطويلة في مستنقع التجهيل المقصود . بعد انعطافة (9/4/2003) أندحر بعبع الطغيان لينطلق المارد الذي كان مكبلا من قمقمه فيجد نفسه أمام تحد مصيري، اول موجباته تحقيق الكينونة المغيبة وتوكيد ذات لم تزل تنزف من شدة الطعن والأيلام ، وليس من سبيل الى تحقيق ذلك سوى أعادة الوصل المنقطع مع روح العالم ووعيه ، وليس من سبيل الى ذلك أيضا ألآ فتح اكبر ما يمكن من قنوات الاتصال ، سواء عبر الشبكة الالكترونية او غيرها من قنوات مرئية ومسموعة ومقروءة أومبادلات تعليمية وثقافية وسياحية وما شاكلها من وسائل اتصالات أخرى . وعلى الرغم من مرور ما يزيد على الاثني عشر عاما منذ ان انفتحت ابواب المغاليق المعرفية المختلفة على مصاريعها ، وعلى الرغم من حدوث بعض الاختلالات هنا او هناك ، فاننا اليوم بالكاد ردمنا نسبة تكاد لاتذكر من حجم الفجوة التي وقعنا ضحيتها ، وجوعنا المعرفي لم يزل ماضيا وشديدا ، ذلك ان فعل الهدم طوال زمن الاستبداد لايقارن بصعوبة البناء وغضاضة عمره . واليوم نسمع مايدهشنا من دعوات هنا وهناك لوضع تعليمات اوقانون ربما يقوم بحجب بعض المواقع الالكترونية تحت تبريرات واهية لاتنظر لأبعد من انوف مطلقيها ، متناسين ان أعظم البلاء وأشد الضرر هو مالحق بنا بسبب ثقافة (الفلترة) والحجب ، وان كل ما منع وحجب عن الناس ازداد تعلقهم به حد التطرف والمغالاة ، ثم إن كنا نريد أتقاء شر المعرفة (الهدامة) فالنجتهد بتكريس وتنمية أسس المعرفة البناءة ، والبقاء للاصلح .