اقصد بالأحزاب الدينية كل حزب يرفع شعارات الدين ويجعل منها هوية سياسية لعمله .

وهذا الإطلاق في التسمية يشمل جميع الأحزاب الدينية ليس في المحيط الإسلامي وإنما في كل المناخات التي تشترك في مسمى المصطلح الديني فيكون النصارى واليهود مشمولين بهذا المعنى.وذلك انطلاقا من قوله تعالى :” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه “

ولكني سأركز هنا على الأحزاب الدينية العراقية من خلال تجربتها في الحكم التي أصبحت بعد عقد من الزمان تقف أمام استحقاقات ليست لصالحها ؟

وهذه الاستحقاقات تناولت الأفراد المتدينين المنتمين لتلك الأحزاب مثلما أصبحت لا تستثني حتى المتدينين من غير المنتمين للأحزاب الدينية على قاعدة الإسقاط التي لا تكون دائما صحيحة ولكن لا مجال للفرار منها أمام مشاعر العامة من الناس حيث يكون المقياس لديهم من خلال التجربة بعموميتها دون التأمل بتفاصيلها فالتأمل بالتفاصيل مهمة أهل الرأي والخبرة وهم قلة , والحكم بالعموميات هو ما تستحضره العامة من الناس وهم الأغلبية

وإما المرحلتان فاقصد بهما بالنسبة للأحزاب الدينية : مرحلة ما قبل تسلم الحكم اي مرحلة المعارضة , ومرحلة ما بعد تسلم الحكم اي مرحلة التطبيق وهي مرحلة الاختبار والامتحان ؟

وقبل أن ادخل بتفاصيل هذه الدراسة : أحب أن أبين للقراء والمتابعين إنني ومن خلال مواكبتي من داخل العمل التنظيمي أيام المعارضة بمراحله التأسيسية وسريتها ومراحل الانتشار وسياستها المعلنة , من خلال كل ذلك أميز بين الأحزاب العقائدية في التنظيم والعمل , وبين الأحزاب التي ولدت كردات فعل فظهرت كتجمعات مطلبية تهيمن عليها العناوين الشخصية والمصالح الذاتية مما افقدها طابع الأحزاب العقائدية ؟

وفي التجربة العراقية شهدنا سقوط الحالتين وفشلهما : أي فشل الأحزاب العقائدية , وفشل وسقوط الأحزاب غير العقائدية

ولان العقائد لا تموت , فان الأحزاب هي التي تموت  ومن هنا علينا أن نفرق بين العقيدة وهي الإسلام او المسيحية او اليهودية وتركيزنا هنا على العقيدة الإسلامية لان المشهد المتحرك ميدانيا يتطلب ذلك , لان الحزب في المفهوم السياسي :” انتماء ولائي “ ينمو ويكبر بسرعة , ويهرم ويموت بسرعة “

ولان التنظيم سنة كونية فعلينا أن نميز بين المفهوم التنظيمي الذي تحتاجه الحياة دائما , قال تعالى :” كلوا واشربوا ولا تسرفوا “ “ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن “ “ ولا تصعر خدك للناس “ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم “ “ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن “ “ فلا تخضعن في القول فيطمع الذي في قلبه مرض “

أما المفهوم الحزبي فهو حالة خاصة لظرف خاص يكتسب مشروعيته من الحاجة إلى التنظيم كسنة في الحياة , ويفتقد هذه المشروعية عندما يصبح عرضة للأهواء والرغبات الشخصية والامتيازات كما هو جار اليوم في العراق , ومفهوم “ فان حزب الله هم الغالبون “ في الآية القرآنية لا ينطبق على الحالات الحزبية التي لم تلتزم بمصاديق الأصالة التنظيمية التي تقول “ إذا اجتمع خمسة وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو أعلمهم فعملهم باطل” ؟

ثم أن مفهوم حزب الله هم الغالبون يكتسب شمولية واتساع باتساع مفهوم العبودية الخالصة لله وهذه سنجد بعضها في ثلة من النصارى واليهود والصابئة , فهي ليست حكرا على أتباع مذهب دون مذهب آخر , ولا أقول إتباع دين ودين آخر فالدين عند الله واحد , والذين تفرقت بهم السبل هم الذين يفرقون ويفترقون فيجعلون الحياة مليئة بمرارة الصراعات الدامية وما نشهده اليوم هو ترجمة لتلك الفرقة التي تعمدها البعض بأهواء لا تنتمي لبوصلة السماء ولا لحاضنة الفطرة الإنسانية المصاغة بعناية من خلق وسوى “ فطرة الله التي فطر الناس عليها “

إن فشل تجربة الأحزاب الدينية في الحكم هو ليس فشلا للعقيدة الإسلامية التي ظلمت بسبب من ادعى الانتساب إليها ولم يكن صادقا في ادعائه , قال تعالى :” يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله إن تقولوا ما لا تفعلون “

وهذا التقييم والنقد المبكر في القران الكريم من قبل الله تعالى سبق كل ما قيل في نقد المتدينين والأحزاب الدينية والذي جاء متأخرا من قبل العلمانيين ومن يعتقد بالفكر الديمقراطي , وهي كلها أفكار إنسانية نحترمها ولكن لا نضعها في مصاف ومرتبة فكر السماء لا لشيء إلا لحاجة إنسانية حياتية تفرض نفسها على واقع الأشياء , فنحن نريد الفكر الذي يحضر معنا في القوة وفي الضعف , وفي الصحة والمرض , وكذلك ما بعد المرض وما بعد الضعف وهو الموت ؟

أما الفكر الذي يتركنا في حالة ضعفنا ومرضنا وموتنا وهو حقيقة فليس من المنطقي والعقل أن نتمسك بهذا ونترك ذاك لأنه سينطبق علينا قوله تعالى “ اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير “

والأحزاب الدينية التي فشلت في الحكم او في الاجتماع عليها إن تراجع نفسها على القاعدة التي وضعها الإمام علي بن أبي طالب عندما قال :” في التجارب علم مستأنف “ ؟

ولنا أن نسال الجميع : ما هو العلم الذي اخذتموه من تجربتكم في الحكم؟

وما هي العبرة التي استخلصتموها من عملكم الحزبي ؟

وكل من يراقبكم لا يرى لديكم من مشروع سوى الشعارات والخطب المستهلكة التي ملها الناس , لأنكم سكنتم مساكن الذين ظلموا وانشغلتم بمفاتن ذلك السكن وتركتم الناس تعاني بعضها بلا سكن وبعضها بلا دواء , والبعض الآخر بلا طعام ؟

إن التاريخ الذهبي للبعض منكم أيام المعارضة تبخر بسرعة نتيجة نهمكم غير المبرر تجاه الامتيازات التي أفسدت مؤسسات الدولة ونتيجة السلوك الملتوي للكثير منكم الذي غادر صفحة الوفاء إلى حيث يكون المكر والخيانة التي تختصرها كلمة الإمام علي عليه السلام لطلحة والزبير عندما قال لهم بعد أن أخذتهم الفتنة , حيث قال عليه السلام : “ عرفتماني بالحجاز وأنكرتماني في العراق فما عدا مما بدا “ ؟

التعليقات معطلة