لا شيء أكثر من الدم في دمشق. لا شيء أكثر من السلاح، وأكثر المتفائلين في ربيع دمشق يصف أمرها “بالكارثة”، لكن الكارثة هنا تأخذ أكثر من معنى وتأويل، فطرفا نقيض الأزمة يتهم الآخر بحمّام الدم الذي يأبي أن يتوقّف.

المعلومات التي باتت تنشرها الصحف الأجنبية عن الجيش الحر تبيّن أنه مخترق بالكامل، لا ينفي أحد الأصدقاء في المجلس الوطني السوري المعارض لنظام الأسد وجود أفراد من القاعدة تقاتل جنباً إلى جنب، في محافظة إدلب، ضدّ الجيش السوري النظامي، كما أنه لا ينفي، وجود أعلام للقاعدة ترفرف فوق محافظة أدلب وبعض أرياف محافظة حلب، أما عن نزاع طائفي وشيك، فهذا الأمر لا يتوانى عن القول أنه “أصبح وشيكاً”. 

صورٌ أخرى من مدن سورية تنقل احتفاظ السكّان بصورة “الداعية العرعور”، وهذا الداعية، ليس ثمّة آفة طائفية أكبر منه، فمن جهة يحرِّض على قتل “العلويين”، ومن جهة أخرى يدعو إلى دول إسلامية، فكيف حال دمشق في كلِّ هذا!. النظام السوري، على الرغم من استعراضه لعضلات بدأت تفقد بريقها بعد أن وصل الجيش الحر إلى مناطق في قلب العاصمة، هذا النظام، بدأ أيضاً يرتكب مجازر، لكن معركته تتلخّص بالبقاء، وللبقاء هنا تكاليف باهظة، والدم أرخصها!.

لكن في “ربيع دمشق”، أشياء لم يشهدها ربيع مرَّ قبله، الربيع هنا له رائحة الطائفية ودعوات وأدعية الموت؛ يتشبَّع هذا الربيع بعفونة الجثث، وبفوضى الأفكار، وبالتفاخر بالتقاتل، هكذا، ستدخل إليه أسماء ليست معنية بالسياسة، ولا بالمناصب، وإنما معنية بالموت وحده، الموت الذي لا يشاركه شيء، إنهم علي الربيعي، الذي دعا “التبرّع للجيش الحر ليندحر النظام الإيراني من سوريا”، أما عدنان العرعور، الملقّب بـ”أسد السُّنة”، فرائحة فتاواه ودعواته بدأت تزكم الأنوف مثلما هي رائحة الموت. ربيع الفقهاء هذا، حوّل الأمور إلى منحى آخر، العلمانية التي أدعتها الثورة في بدايتها ولّت. وأكثر المتفائلين بأمر دمشق بدأ الخوف يتسلّل إليه، ليس خشية فقط من اندلاع حرب أهليّة في سوريا، وإنما خوفاً من أن تمتدّ إلى دول أخرى لبنان ليس أبعدها ولا أوّلها.

هؤلاء الفقهاء، لم يتوانوا عن شتم المتخصِّص بالشؤون السورية، باتريك سيل، ولم يبتعدوا كثيراً عن وصفه بالمرتشي مرّة، وبالعميل مرّة أخرى. كلّ ما فعله سيل هو أنه كشف عن الدور الأميركي والأوربي في اللعبة السورية، أميركا لم تكن يوماً حامية للديمقراطية، ولا يهمّها أمر شعب بقدر ما تهمّها شؤون النفط وأمن إسرائيل، هذا ما حاول سيل أن يوصله إلى المجتمعات العربية من خلال مقاله الذي كتبه في صحيفة الحياة والذي أثار الفقهاء ضجّة بشأنه، الكل ذهب باتجاه الدفاع، الكلّ حاول تلميع الوجه الأميركي، الذي لا يزال سخام العراق على وجهه، نعم، سيل أكثر الخبراء بالشأن السوري، تبيّن هذا منذ مقاله الأوّل عن سوريا في الصحيفة نفسها، لم يكن سبيل سيل الدفاع عن النظام السوري، فهو نظام قمعي، وإنما هي محاولة لكشف أوجه الآخرين، وعلى سبيل الصدفة اتضح أن “الجحيم هم الآخرون” كما يقول سارتر، محاولات الإدارة الأميركية في دعم المعارضة السورية جاءت لضرب إيران وحزب الله اللذين يهدّدان أمن تل أبيب، والحكومات الخليجية، القطرية والسعودية، على وجه التحديد، يلعبان على حبل ويتأرجحان بين دعم إسرائيل تارة، وإبعاد الثورات العربية عن الخليج بإحداث فوضى في سوريا تارة أخرى. كتبت هنا، منذ شهور أن تشومسكي لا يشرب النفط، وباتريك سيل هو كذلك.

في الأخير، ثمّة سيناريوهات كثيرة تكتب لسوريا، ولا يبتعد أحدها عن الفوضى أبداً.

التعليقات معطلة