لا أزعم إنني متابع من الطراز الأول لما تنشره الصحافة، و لكنني الى حد ما (قارئ جرايد) لا يستهان به، و لذلك أعرف إن هناك أقلاما عراقية تجيد كتابة (العمود الساخر) و تبدع فيه إبداعا ً يضاهي الأقلام العربية المماثلة أحيانا ً، و يتفوق عليها أحيانا ً أخرى، و لكنها لم تنل من الشهرة و ذيوع الصيت ما نالته أقلام الأشقاء، و قد قلتها سابقا ً و أعيد قولها من جديد، نحن شعب لا يحسن صناعة النجوم، و نحن دولة منذ عرفنا الدولة قبل تسعين سنة، تدير ظهرها للأبداع و المبدعين، و لا أظن أحدا ً يقرأ كاظم الحجاج على سبيل المثال أو خالد القشطيني أو مدني صالح أو سواهم، إلا و يشعر بالزهو، لأن أبناء وطنه يقفون عن جدارة قمما ً شامخة في مجال تخصصهم الى جانب أشمخ القمم العربية و أعلاها، و مع ذلك، و لأسباب يطول الشرح في تفاصيلها، أستأثرت مع الزميل داود الفرحان بحصة الأسد في ميدان الكتابة الساخرة، طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، بينما أستطيع القول جازما ً – و الرأي يتعلق بي فقط – إن البلد زاخر بعشرات الكتاب الساخرين ممن هم أفضل مئة مرة من حسن العاني، و لكن هذا الظرف أو ذاك لم يخدمهم كما خدمني !
على أية حال، تعود بي الذاكرة الآن، الى عام من أعوام العقد التسعيني، كنت يومها اعمل في مجلة (الف باء)، و أكتب مقالة إسبوعية تحت عنوان (و ما خفي……)، و في هذا العنوان إشارة الى إن الذي لم آت ِ على ذكره في المقالة، أو المخفي منها هو الأهم أو الأخطر، و ذلك إستنادا ً الى القول المأثور (و ما خفي كان أعظم )، و قد فوجئنا ذات يوم بصدور (تعليمات ) من وزير الأعلام، تقضي بمنع ( الكتابة النقدية الساخرة)، و كانت هذه التعلميات من الناحية العملية موجهة الى الزميل (الفرحان ولي) على الرغم من أن تعليمات الوزير كانت ذات طابع عام، و قد إنزعج الفرحان وقتها إنزعاجاً كبيرا ً، ولكنني بطبيعة دمي (البارد)، و جينات النبي أيوب التي تسري في عروقي، تلقيت الخبر الكارثة بأعصاب هادئة، و فكرت كأي رجل كلاسيكي ينحدر من القرن التاسع عشر، إن بمقدوري إقناع الوزير بمنطق العقل و الحجة، و دفعه الى التراجع عن هذا القرار الغريب، خاصة و إن الرجل بسيط الى حدّ السذاجة، و بيني و بينه معرفة قديمة، زيادة على كونه يكنُّ لي كثيرا ً من الأحترام !! و هكذا زرته في اليوم الثاني على صدور تعليماته، و إستقبلني الرجل إستقبالاً كريما ً، و طلب لي فنجان قهوة، ثم سألني عن أسباب زيارتي، فقلت له : سيادة الوزير، إنها بصدد توجيهاتكم الأخيرة حول منع الكتابات النقدية الساخرة من النشر ثم شرح الله لي صدري، و حلّ عقدة من لساني ، و ألقيت على مسامعه خطبة دونها خطبة قس بن ساعدة، تحدثت فيها طويلا ً، و شرّقت و غرّبت و نظرت عن دور هذا النمط من الكتابة و أهميته في حياة الشعوب الفكرية و الثقافية، و كنت مستمتعا ً و مستغربا ً في الوقت نفسه من التعابير الحلوة، و الجمل المسبوكة و الآراء العميقة و المصطلحات الفنطازية التي إنثالت على لساني كزخات المطر، بحيث مازلت حتى الآن أجهل كيف إستحضرتها، مع إن زملائي المقربين يعرفون جيدا ً، إنني أسوأ متكلم أنجبته الصحافة العراقية… و لكي إستفز كبرياءه، و أحثه على إلغاء تعليماته، أو عدم تطبيقها، قلت له [ سيادة الوزير… هذا القرار سيُحسب عليك مستقبلا ً، و لا أظنك ترتضيه لنفسك]، و يبدو إن صبره قد نفد من ثرثرتي الفارغة، و لذلك ردّ علي بوجه عابس [حسن العاني..كلامك كله زايد، و دوخة راس، السيد الرئيس صدام حسين الله يحفظه… لا يوافق على النقد الساخر و لا يريده…. واضح؟]
• طبعا ً واضح سيادة الوزير!!
ملاحظة الى القارئ الكريم : معنى مفردة (واضح) في القاموس، لا علاقة له بالمعنى الذي ذهب إليه الوزير.. واضح؟!