وُلِدَ وترعرع في محلتنا البغدادية العريقة، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية، ثم أنهى دراسته الجامعية، وحصل على وظيفة، وتزوج وأنجب ولده البكر وهو مع والده ووالدته وأشقائه الثلاثة في بيت الأسرة الكبير، لم يفكر في الانفصال عن العائلة، ولم يغادر المحلة التي أحبها وأحبته، ولكن للضرورة أحكاماً، وكان عليه أن يستجيب لمتطلبات وضعه الجديد، فقد حظي الرجل الذي أثبت كفاءة وإخلاصاً عاليين في عمله، ونال شهادة الماجستير في مجال تخصصه، بمنصب مرموق، وضعه في خانة (كبار المسؤولين) عن جدارة!
وهنا بدأت المشكلة، فهذه الخانة كما هو معروف لا يمكن إلا أن تسكن في مناطق محصنة أمنياً، ولا يمكن أن تتحرك أو تتنقل من مكان الى آخر إلا تحت حراسة موكب كبير من المركبات والأسلحة وأفراد الحماية، فكيف يستطيع الرجل الوصول إلى مسقط رأسه، والحنين يؤرقه لوالديه ومرتع طفولته، والى كل تاريخه في المحلة، أصدقاء الصبا والشباب، الجيران، خبز التنور، مقهى الطرف، المدرسة، الحب الأول ورائحة البيوت القديمة، ولم يكن أمامه سبيل غير الهاتف المحمول، يسأل ويتفقد ويقدم العون ويتلقى عتاب الجميع الذين انقطع عنهم وهو يعتذر، لأن دخول موكب رسمي فخم الى منطقة شعبية، بقدر ما يقلق الناس أو يتسبب في إزعاجهم، فأنه لا يخلو من محاذير أمنية قد تشكل خطراً على حياته، ومع ذلك كان يعدهم بزيارة مفاجئة، وفي كل مرة ينتهي فيها من المكالمة، يبكي كما الأطفال!!
طالت غيبة الرجل عن محلته، حتى طفح الكيل به، وبلغ الشوق مبلغه… ولذلك حزم أمره ذات مساء، وقرر أن يجعلها مفاجأة مثلما وعدهم، وهكذا غادر بيته وحيداً بعد أن أخفى شخصيته تحت العقال والعباءة والملابس العربية، بحيث بات من الصعب حقاً التعرف عليه، ومن مكان بعيدٍ نسبياً عن منطقة سكنه المحصنة، استأجر مركبة تقله الى محلته، وفيما كان يتجاذب أطراف الحديث مع السائق، أنتبه الى أن السيارة تسلك طريقاً بعيدة عن الطريق المؤدية إلى محلته فأوجس خيفة، وتأكد من أنه لم ينس مسدسه، وبصورة غير مباشرة حاول الاستفسار من قائد المركبة عن وجهته وما إذا كان قد توهم أو ضل الطريق، ولكن الرجل ردّ عليه بلهجته العامية البسيطة [عمي يمكن صارلك هواية ما طالع للشارع، هاي سنة ونص تقريباً من الجماعة غيروا الطريق، لازم نلوف شوفت عينك لوفه طويلة، يمكن فد ست كيلو مترات سبعة، لو أكثر، حتى نوصل، وبعدين مدخل الحي هَمْ إتغير، بعد مندخل من البداية، لعد آني ليش طلبت منك اجره شوية عالية، هذا السبب] ودخلت المركبة محلته، شعر إن قلبه يقفز من صدره، والسنين الخوالي تمثل أمام عينيه، وتصاعد فيضُ الفرح رغبةً بالبكاء، لكنه استحضر قوته وجَلَدهُ، واختزن الدموع إلى لحظة اللقاء مع الأهل والأصدقاء، وكانت المركبة تواصل سيرها على مهل، استدارت غير مرة إلى اليمين واليسار، وغير مرة عادت من حيث بدأت، وفي المرات كلها كانوا يواجهون بزقاق أو منفذ أو مسلك أغلقته الحواجز الكونكريتية أو تلال التراب أو النفايات، وعلى مدى نصف ساعة وهو يبحث عن مسقط رأسه من غير جدوى، عندها خذله صبره وانفجر باكياً، وطلب من السائق أن يعود أدراجه من حيث أتى بأقصى سرعة ممكنة، إذ ليس أشد وجعاً على المرء أن يضيع في وطنه الصغير!!