أمي شيوعية!! هل يجب أن أشعر بالاعتزاز أم الحرج؟ هل يفترض إخفاء هذه الحقيقة، وكيف يمكن إخفاؤها وهي موثقة في سجلات الحكومة وضمائر المعتقلين والمناضلين؟ وإذن، لا مفر من الأعتراف بهذا الجزء العريض من حياتها السياسية الذي أشعر إزاءه بالفخر العظيم، فعلى يديها فهمت معنى الديالكتيك والمادية التاريخية والأمميات وفائض القيمة، وعبر سيرتها الذاتية وسلوكها الشخصي تعلمت معنى (الإنسان المبدئي) ومفهوم (المبدئية) كونها سمة أخلاقية قبل أن تكون شيئا ً آخر، وأمي التي بلغت عامها التسعين ما تزال بفضل الله تتمتع بذاكرة حادة، وقد كانت وما زالت المرجع الثقافي الذي أعتد به، والمرجع السياسي الذي ألجأ اليه، لأنها تمتلك رؤية ثاقبة، وقدرة مذهلة على التحليل واستقراء الوقائع، ومع ذلك عجزت عن كسبي الى الحزب الشيوعي،لكوني على حد قولها [ كائن عبثي ليس له هدف في الحياة] ولعلها على حق، غير إن إعجابي الكبير بوالدتي لا يمنع من الاعتراف، إنها مع كل هذا التراث المشرف، لم تتحرر من عقلية (نسوان الطرف)، ومن تأثير انتمائها الى أسرة ارستقراطية تنظر الى الفقراء بعين الاستصغار، فقبل سنوات قلائل كانت تتابع على عادتها نشرة الأخبار والحوارات التي تبثها الفضائيات، حين أستوقفها اسم سيدة كانت تحل ضيفاً على أحد البرامج، فقد صرخت ْ بلهجة استنكارية [ كملت السبحة.. بقت علينا بس الخبازة ما صارت سياسية بروسنا!] وحين حاولت فهم تلك العبارة الغامضة، أرجأت الحديث حتى انتهاء الحوار، عندها قالت لي [ هل لاحظت فلانه إبنة فلان كيف تضع الفوطة على رأسها، وكيف تملأ الحروق وجهها؟!]، الحقيقة لم أعر مثل هذه الملاحظات بالاً، فقد كنت أحترم تلك السيدة التي كانت تقدم نفسها دائما ً على إنها صوت عال ٍ من أصوات المعارضة التي تطالب بحقوق الناس وتدافع عن العراق وما يتعرض له من هجمات عدائية، وتخاطب الحكومة بلغة عنيفة من أجل حماية البلاد وخدمة المواطنين، وقد نقلتُ لوالدتي هذه المعلومات عن السيدة، إلا إنها لم تلتفت إليها وقالت [ هذه الفلانة التي تدافع عنها، هي ابنة سعدية علوان الخبازة، وابنتها التي ظهرت على الشاشة خبازة مثلها، ولا ادري كيف أكملت دراستها الجامعية ]، سألتها مستغربا ً [ وما الضير في ذلك كله، إنها سيدة مكافحة، وانت إنسانة تقدمية يجب ان تقفي الى جانبها و..] إلا إنها قاطعتني [ هل تعتقد إنني أعترض على كونها من أسرة فقيرة.. ابدا ً.. هذا يخالف عقيدتي، ولكنني اخاف من عقدة فقرها الشخصية، فما بالك وأنا أعرف هذه الخبازة عن قرب، إنها امرأة انتهازية بامتياز، تتاجر بعواطف العراقيين ولا تعنيها همومهم الحقيقية، قد لا تصدقني إنها ستصبح مدمنة فضائيات وتصريحات، وقد لا تصدقني إن صوتها المعارض سيخفت بعد بضعة أشهر، ثم لن يمضي وقت طويل حتى تنحاز الى جانب الحكومة وتدافع عنها باستماتة، وتصب جام غضبها على المعارضة، وتنعتها بأسوأ النعوت التي كانت توجهها الى الحكومة، هذه امرأة ليس لها من المبادئ نصيب، فهي لا تحسن غير المزايدة والمناورة ومهنة البحث عن الكتف المتعافية، وسوف تشكل تنظيما ً يعمل في النهار مع الحكومة، وفي الليل لحسابه الخاص، وحين لا تجني من تقلباتها حبة خردل، ستلعن المعارضة والحكومة والعملية السياسية، وسوف تختفي فجأة كما ظهرت فجأة وكأنها فقاعة، وأنا لا أخاف على العراق مثل خوفي من الفقاعات التي تتكاثر في بلادنا كالأرانب!!] لم أستطع منع نفسي من الضحك وهي تسترسل بخيالها الخصب كيفما يحلو لها، ولكن الغريب، إن كل َّ ما قالته تحقق بعد سنوات قلائل!! 

التعليقات معطلة