هو سؤال ماكر ساقه (بيكاسو)- يوما- حين قال بسخريته وسحرية مواهبه الزائدة عن مقاسات الرسم العادي والتقليدي: (ليتني أعرف بماذا تفكر التماثيل!!)، ليترك فينا مباهج ذلك الشك المدهش والحيرة المقبولة من لدن أمثاله من المبدعين الذين (شغلوا الناس وملأوا الدنيا) بنبوغ ما جادوا من ينابيع عبقرياتهم واستحقوا منا طيب الذكرى وشارة الخلود، وقبل ان أدلو بدلوي في دوافع انغماري بموضوعة التماثيل التي تزعم إقامتها وزارة الثقافة ضمن توجهات مشروعها الكبير في فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام/ 2013 لعدد من الوجوه والشخصيات العراقية الفاعلة والمؤثرة في مجالات إبداعاتها في الثقافة والفنون وعموم نواحي المعرفة، أود ان أذكر ما حصل مع الروائي الفرنسي المعروف (بلزاك) الذي خاطب أولئك الذين أرادوا إقامة تمثال له في باريس، بأن لماذا تنفقون على هذا التمثال وتصرفون الكثير الأموال من أجل إتمامه؟ -وأكمل- أعطوني نصف تكاليفه وأنا على أتم الاستعداد لان أقف على المنصة أو القاعدة المخصصة له وبالشكل الذي تطلبونه!!!
وبغض النظر عن دواعي حاجة ذلك الروائي العظيم للمال في حياته -آنذاك- أي (بلزاك) أكثر من حاجته لتمثال يخلده، ولكن تبقى القضية والمسافة متفاوتة، بل نسبية ما بين هذا وذاك، فها هو شاعرنا (أبو الطيب المتنبي) يقول عمّن كان يمتدحهم ويغدقون عليه بالنقود والهدايا: (ما لهؤلاء أعطيهم ما يخلد، ويعطوني ما يفنى!!) ، إذن الفرق واضح ومكشوف لفهم دواعي وأسباب هذا التفاوت، وإذا أعاود لموضوع تماثيل وزارة الثقافة بالتفاتتها الموضوعية والحضارية في تخليد رموزنا ممن شملهم رعاية الاختيار وانتقاء الأسماء وفق محصلات الاستحقاق الإبداعي، لكي تعيد النظر بضرورة اضافة أسماء أخرى تستحق مجد ذلك التخليد،فمن -مثلا- ينسى أو يتناسى (مدني صالح) الفيلسوف الذي جعل الدرس الفلسفي يهرول مزهوا بطرحه وتناوله سهلا…عذبا…عميقا في حقول و(درابين) الصحافة، استاذا ومعلما على طريقة أفلاطون المعلم الأول لحب الحكمة (الفلسفة)، وأذن تحذوني الرغبة في الدفاع عن (مدني صالح)-هنا حصريا- إنما أدافع عن أسماء أخرى أحاول جردها في ذاكرتي وأشيد وأستنجد بمن ينعش ذواكرنا بمن هم من منزلة (مدني) ويضعها معي أمام القائمين والمشرفين على انجاح هذا المشروع الحضاري الرصين بحجم ما يجب، وبما سيعيد الاعتبار لمن يستحق، كي نزيل الملابسات والإزاحات المقصودة وغير المقصودة عمن تم غمط حقهم من( برواز) هذا الامتياز، سواء أكان بسلامة نية أو سوء مقاصد البعض،ممن ينظر للمستقبل بعين واحدة، وإذا أقفل مزلاج هذا الموضوع بمفتاح القلب، تسلل الى ذاكرتي مقطع شعري يختم فيه الشاعر الكبير-المبدع (جواد الحطاب) قصيدة له بعنوان (تماثيل) سببت له الكثير من المشاكل مع النظام السابق حين نشرها منتصف تسعينات القرن الفائت يقول فيه:
( كم سخر الصيف من
درعها المطري، والشتاء
تهكم من عريها
والتماثيل مشغولة
غير آبهة بالظنون).