بغداد / المستقبل العراقي
لا يحتاج تعداد الاختلافات بين مرشَّحَي الرّئاسة الأميركيّة دونالد ترامب وهيلاري كلينتون إلى كثيرٍ من المجهود. يكفي الحديث عن جمهوري متعصّب لـ «أميركيته»، راغب في وضع تعريفات جديدة للدور الأميركي في العالم، وديموقراطيّة تلهث وراء تحقيق إنجازٍ عسكري أميركي بشتّى الطّرق، حتّى تنجلي الصّورة. إلا أنّه بالرّغم من الاختلافات الجذريّة تاريخيّاً بين الجمهوريّين والدّيموقراطيّين، بقي التّلاقي أمام «العدوّ الأوّل للبلاد» هو سيّد الموقف.  اليوم، تبدو أرضية مواجهة «العدو الروسي» مزعزعة أكثر من أي وقت مضى. باختصار، ترامب لا يرى في بوتين عدواً أول يجب القضاء عليه، بينما كلينتون تضع الزعيم الروسي في سلّة واحدة مع منظومة تُشكّل خطراً على الوجود الأميركي وعلى «الأمن القومي».
مع انتخابهما رسميّاً من قبل حزبيهما «الجمهوري» و«الديمقراطي» طفت خلافات ترامب ـ كلينتون «البوتينيّة» على السطح. لم يتوان الملياردير الأميركي، مذ دخل سباق الرئاسة، عن إبداء الرغبة في مد يد العون إلى موسكو. بالنسبة له، هذه هي الطريقة المثلى للقضاء على الجماعات التكفيرية. وهو، إذ قال سابقاً إنّ الأولويّة الآن ليست لرحيل الرّئيس السّوري بشّار الأسد بل للقضاء على تنظيم «داعش»، عاد ليدعم الكلام عبر تأكيده ضرورة بناء علاقة مع موسكو، معتبراً أنّ مساعدة الأخيرة لواشنطن على التخلّص من «داعش» «ستكون شيئاً جيّداً». وفي مقابلةٍ مع قناة «إي بي سي» الأميركية خلال برنامج «ذيس ويك»، دافع ترامب عن رأيه في العلاقة مع موسكو. أكد ضرورة بناء علاقة جيدة معها، واصفاً الأمر في حال حصوله بـ «الرائع». كلام ترامب جاء ردّاً على اتهامات كلينتون بأن خصمها الجمهوري يملك «ولاءً مطلقاً» لأهداف السياسة الروسية. إشعال شرارة «وجود علاقة بين بوتين وترامب» دفعت بالأخير إلى نفي ذلك، متوجّهاً إلى مقدّم البرنامج جورج ستيفانوبولوس بالسّؤال: «ماذا تقصد بالعلاقة»؟ مستطرداً: «لم أقضِ مع بوتين وقتاً، لم أتناول معه طعام الغداء، لم أمارس معه رياضة تسلّق الجبال». ورداً على سؤالٍ حول قيامه بالتّصريح مراتٍ عدة في السابق بأن هناك علاقة تجمعه ببوتين، قال ترامب: «قال بوتين عني أشياء لطيفة منذ سنوات، ورددتُ بالمثل». وأكّد أنّ المرّة الوحيدة الّتي جرى اتّصالٌ بينه وبين الرّئيس الرّوسي كانت منذ ثلاث سنوات عندما استضافت موسكو مسابقة ملكة جمال الكون.
ونفى المرشّح الجمهوريّ أن تكون العلاقة الّتي يتطلّع إليها مع موسكو قائمة على التّنازلات، قائلاً: «أنا لا أنحني»، وواعداً بأن تكون العلاقة مع موسكو «جيّدة». كما نفى ترامب أن يكون عليه ديون لأي شخصٍ روسيّ أو مؤسّسات روسيّة، مؤكّداً عدم قيامه بإرسال الأموال إلى هناك. وفي إضافةٍ نوعيّةٍ للجدل القائم حول رؤيته للعلاقة مع موسكو، أكّد ترامب أنّه «في حال تمّ انتخابه رئيساً، سينظر في إمكانيّة الاعتراف بالسّيادة التي تؤكّدها روسيا على القرم»، شبه الجزيرة الأوكرانيّة التي ضمّتها موسكو عام 2014 وسط إداناتٍ دوليّةٍ واسعة. وقال ترامب إنّ «شعب القرم، على ما سمعت، يفضّل أن يكون مع روسيا».
وأكّد ترامب أنّ «بوتين لن يدخل أوكرانيا»، ما دفع ستيفانوبولوس إلى القول: «في الواقع، إنّه موجودٌ هناك، أليس كذلك»؟ إلا أنّ جواب ترامب أتّى أبعد ما يكون عن المنطق، إذ قال: «حسناً، إنّه هناك بطريقةٍ ما، لكنّني أنا لستُ هناك»!
هذا الردّ الحادّ من ترامب جاء بعد هجوم حادّ هو الآخر من قبل المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون. هجوم كلينتون على ترامب تعدى الاختلاف معه حول رؤى الحكم للفترة المقبلة، إلى اتهامه بإحداث خلل على «مستوى الأمن القومي» بسبب «ولائه المطلق» لأهداف السياسة الروسية. بدورها، اعتبرت كلينتون، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، أن «تشجيع ترامب لموسكو على اختراق بريدها الالكتروني الشخصي، وتقديره لبوتين وللسياسة الخارجية الروسية، يعني أنه لا يمكن له أن يكون قائداً أعلى للقوات المسلحة».
وكان ترامب حث موسكو على العثور على آلاف الرسائل الالكترونية التي اختفت من خوادم كلينتون الخاصة عندما كانت وزيرةً للخارجيّة، الأمر الّذي اعتبرته المرشحة الديموقراطية دعوة إلى قرصنة الحسابات وانتهاك السيادة الأميركية.
ورفضت كلينتون القفز إلى استنتاجاتٍ تُفيد بأن بوتين يرغب بأن يفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية، لكنها أكدت أن موسكو تتدخل في الانتخابات.
وخلال المقابلة، رفعت كلينتون من لهجة انتقادها لترامب، معتبرةً أن الأجوبة التي قدمها للأشخاص «الذين يبحثون عن أجوبة هي تحريضيّة»، حيث دعا إلى «لوم أي أحد، لوموا المهاجرين، لوموا المسلمين، لوموا النّساء»، مؤكّدةً أنّ هذه الأجوبة «جذّابة في المقام الأوّل للأشخاص الذين يبحثون عن أجوبة، لكن ما أؤمن به أنّه لم يقدّم شيئاً لمساعدة النّاس».

التعليقات معطلة