عاطف محمد عبد المجيد
في ظل الظروف الطاحنة، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، والتي تُطبق مخالبها على المواطن العربي في السنوات الأخيرة أينما كان، وفي معظم البلدان العربية، إن لم تكن جميعها، يحتاج المواطن العربي من حين إلى آخر إلى مادة ترفيهية ومسلية، سواء يشاهدها أو يسمعها أو يقرأها.من هنا أصبح العثور على كتاب من الأدب الساخر، على قلة الكُتّاب الساخرين في زماننا هذا، شيئًا يجلب السعادة حتى وإن كانت مؤقتة.نعم يحتاج المواطن العربي إلى كتاب يجعله يبتهج وينسى همومه ومشكلاته الحياتية، لا إلى كتاب يوقظ مواجعه وآلامه فيصيبه باكتئاب مزمن وإلى الأبد.
(1)
في مقدمة كتابه “ أنا والعذاب وهناء “ الصادر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وهو كتاب يُصنف على أنه من الأدب الساخر، يقول الكاتب أحمد سالم إن البعض قد يعتبر أن السخرية و “ الألش “ هما أداتان للضحك والتسلية، لكن هذا المفهوم يصل، من وجهة نظره، إلى حد كونه خطأ فادحًا، لأن طبيعة الشعب، من وأينما كان، تميل إلى الكوميديا حيث النقد من خلال استعراض المواقف المؤثرة بشكل ساخر، وتقديم النصح والإرشاد بشكل غير تقليدي، مصحوبًا بابتسامة مخلوطة بالمرارة في بعض الأحيان.في كتابه هذا يحاول أحمد سالم أن يُلقي الضوء على الطبقة المتوسطة، وما تعانيه في جميع مراحل الحياة، منذ التفكير في الزواج والخطط الاستراتيجية لتنظيم الأفراح، ثم الولادة والتقديم للمدارس والذي بات يشكل مرحلة فارقة لكل أسرة وكأنه الطريق إلى الجنة، وممارسة الرياضة في النوادي بعيدًا عن الوساطة والمحسوبية، ومحاولة الحصول على خدمات طبية لائقة، والمعاناة من أجل الذهاب إلى المصيف والترفيه في أماكن تليق بهم بعيدًا عن طبقة غير متحضرة تمارس تصرفات لا علاقة لها بالفقر، لكنها أكثر ارتباطًا بالجهل، وبعيدًا عن طبقة أخرى مرفهة تتنافس في التباهي والمنظرة دون أي اعتبار لشعور آخرين غير قادرين.
(2)
أحمد سالم يرصد كذلك في كتابه الساخر هذا ظاهرة الأغنياء الجدد التي ظهرت إبان عصر الانفتاح، وكذلك ظاهرة الفقراء الجدد التي ظهرت مؤخرًا وهم أبناء الطبقة المتوسطة الذين تدهورت أحوالهم نظرًا إلى الارتفاع الجنوني في الأسعار، والانسياق الساذج وراء مرض التباهي.هذا ويُلقي الكاتب الضوء على هيستريا مواقع التواصل الاجتماعي والتي اقتحمت حياتنا جميعًا، وباتت تستحوذ على اهتمامات الكثيرين بشكل أثر وبشدة على حياتنا التقليدية.إلى جانب هذا يُدين سالم، وبطريقته الساخرة، بعض الظواهر السلبية التي اجتاحت بعض الشعوب العربية كظاهرة التحرش الجنسي وانتشار السلوكيات العشوائية، وتدنّي الأخلاق وكذلك ظاهرة التدين الظاهري.كما يضع سالم عينه الساخرة على ظاهرة النشطاء السياسيين الذين يطفون على سطح المجتمع في لحظات احتدام وتغيّر المواقف والظروف السياسية، ثم سرعان ما يتبخرون، ليمارسوا حياتهم بعيدًا عن كل هذا، وربما في اتجاه معاكس تمامًا لما كانوا يظهرونه حال تلبّسهم بزيّ الناشط السياسي، وبعد أن يكونوا قد حصدوا ما كانوا يريدون.سالم يتابع، عبر صفحات كتابه المائتين تقريبًا، تفاصيل حياة المجتمع من خلال بطليْ كتابه يحيى وهناء، متتبعًا تفاصيل حياتهما منذ لقائهما الأول أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 المصرية:
– أنا هناء الدسوقي عضو الائتلاف الليبرالي للمرأة المقهورة وسكرتير عام جمعية المعذبات في الأرض.
– وأنا المهندس يحيى أبو الفضل خريج كلية فكتوريا وهندسة القاهرة وناشط سياسي بقالي ساعتين تقريبًا.
ومن خلال حياة هذين الشخصين اليومية، وكذلك من خلال حياة من يحيطون بهما، يُصور سالم أحداث ووقائع يعيشها بعض أفراد المجتمع بشكل يومي وهم بين نيّر المعاناة وسندان الشقاء.
وفي طريقه إلى هذا لا يفوت الكاتب أن ينتقد المغالاة في طلبات الزواج وتكاليف الأفراح الباهظة التي تثقل كاهل الجميع، وكذلك ارتفاع نبرة تباهي البعض بما يصنعونه وكأن سواهم لن يستطيعوا أن يصنعوا مثله.
(3)
حقًّا إننا نعيش حياة مثقلة بالهموم والأعباء التي نقع تحتها أحيانًا رغمًا عنا، وأحيانًا أخرى ونحن راضين، ولهذا نحتاج من وقت لآخر لمثل هذا الكتاب حتى يخفف عنا حدة تأثير هذا على حياتنا، ويشعرنا لقليل من الوقت أن ثمة أمل في حياة سعيدة، قد تخلو مما نكابده ويكابدنا.