كريسبن روفيري
مترتبات قرار محكمة النزاعات الدولية ثقيلة على الولايات المتحدة أكثر مما هي على الصين. فواشنطن عليها أن تتحرك وتدعم القرار الدولي. والاخفاق في هذا الدعم يضعف الصدقية الأميركية ويقوض القوانين التي تزعم واشنطن دفاعها عنها. والسبيل الى بلورة رد اميركي هو أولاً فهم استراتيجية الصين. وفي السنوات الأخيرة وصف كثر من الاستراتيجيين تعديات الصين في بحر الصين الجنوبي بأنها سياسة «فرق تسد». ولكنني أرى أن الصين لا تنتهج مثل هذه السياسة. فسياسة فرق تسد تفترض ثلاثة عناصر: مصالح استراتيجية متباينة بين طرفين متواجهين او اكثر من طرفين، والتراجع عن استخدام القوة في وجه اللاعبين الأخرين، التلويح المقيد بعمل عسكري من دون اللجوء إلى تصعيد خطير.
وهذه العناصر غير مستوفية في هذا النزاع. فالصين أعلنت السيادة على بحر الصين الجنوبي وملكيتها هذا البحر وتقدم على خطوات استراتيجية لترسيخ هذا الزعم، ولم تفعل أميركا المثل. فهي أبدت القلق حول حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وسيادة القانون. ولم تزعم واشنطن السيادة على شطر من البحر هذا. والتزمت الولايات المتحدة امن جزر سينكاكو/دياويو في حلفها مع اليابان. وثمة مؤشرات الى تصعيد الصين التدريجي والحذر. فهي تتجاهل احتمال الرد الاميركي على انشطتها في محيط الجزر هذه وكأنها تعول على تراجع واشنطن عن تعهداتها الاستراتيجية. وهذه السياسة ليست من بنات «فرق تسد» بل سياسة تحد متعاظم. وما قد يلجم اعمال الصين هو القوة الأميركية وليس الغضب الاميركي. وثمة كثير من امثلة قياس لفهم ما يجري، منها استفزازات كوريا الشمالية. فهذه الاستفزازات كثيرة وليست منطقية، لكنها محسوبة النتائج. فالنظام يعرف أن تهديداته تلفت انتباه المجتمع الدولي، ولكنها لا تستدعي ردعاً قوياً ضده.وليست الخيارات العسكرية الاميركية في بحر الصين الجنوبي محدودة. وإذا رأت واشنطن ان تهديدات الصين في جزر بحر الصين الجنوبي مباشرة، في وسعها وقف العمل في هذه الجزر من غير عناء ومن غير الانزلاق الى نزاع أوسع، ولو اختارت الصين الرد والتصعيد. والحال في هذا البحر يختلف عما هو عليه في أوكرانيا. فعلى سبيل المثل، يترتب على اطلاق «الأطلسي» عملية عسكرية لطرد روسيا من اوكرانيا، التصعيد في نزاع مزمن، والمغامرة بالمساهمة في مفاقمة الاضطراب والاخفاق في بلوغ المرجو.
وفي الامكان تلخيص استراتيجات القوى البارزة في المنطقة بالقول ان الولايات المتحدة تلعب البوكر، والروس يلعبون الشطرنج والصينيون يلعبون لعبة «غو». ولعب البوكر ركنه الغموض والنقص في المعلومات. والعصر النووي يليق بالاميركيين البارعين في سياسة البوكر. ففي أوروبا، اقنعت واشنطن الاتحاد السوفياتي بأنها تحمل اوراقاً قوية، وأنها ستدافع عن أوروبا. وبدا ان الاعلان الاميركي معقول وذات صدقية. فخسارة اميركا غرب أوروبا هو تهديد وجودي. واحتمال هذه الخسارة يسوغ شن حرب نووية للحؤول دونها. ولتسويق احتمال الحرب النووية، حشدت اميركا القاذفات والدبابات في اوروبا، وانطلت السياسة هذه على السوفيات.
ولكن مثل هذه السياسة لا ترتجى منها فائدة في المحيط الهادي. ومن العسير الزعم أن توسع الصين في بحر الصين الجنوبي يهدد وجود الولايات المتحدة. والشطرنج هو لعبة الروس، وهي تقتضي اللعب في رقعة محدودة لكسب مواقع جديدة من خلال تحريك متأنٍ للبيادق والتقدم في وجه الخصم. ولكن الصينيين ليسوا لاعبي شطرنج وانما يلعبون «غو» (تطويق حيز الخصم). وشطر راجح من النزاعات الحدودية البرية الصينية طويت وذللت، في وقت تسارع بكين الى تشييد جزر وعوائق في بحر الصين الجنوبي. والاهداف الصينية والاميركية متباينة. فالصين تسعى الى السيطرة على اراضٍ جديدة، بينما تحاول اميركا الحفاظ على مواقعها. لذا، قد لا ترتجى فائدة من رد مرن. وعليه، كيف يمكن أن ترد الولايات المتحدة على التقدم الصيني في بحر الصين الجنوبي من دون شن حرب سيطرة وهيمنة؟ على أميركا أن تنتهج نهجاً مختلفاً وأن تشيد جزراً في هذا البحر. وهذا خيار ناجع في الأمد الطويل. وإثر قرار محكمة النزاعات الدولية، حري بواشنطن ان تبادر الى هذه الخطوة، وأن تدعم موقف الفيليبين وحقها في جزر في بحر الصين الجنوبي تحت غطاء من القانون الدولي وحكم محكمة النزاعات الدولية.

التعليقات معطلة