شكلت السلطة على مر العصور فيصلا حاسما في تحديد مصائر البشر. لن يختلف على ذلك اثنان، وهي في نهاية المطاف ليست سوى اداة إن احسن استخدامها اصبحت حال البشر مستقرة مزدهرة في شتى المناحي. وقد شهد التاريخ فترات معدودة، نعم الناس فيها بالاستقرار والازدهار، اما اذا اسيء استخدام تلك الاداة الخطرة، وهو ما حصل بنحو كبير، كانت احوال البشر بائسة وكارثية في الغالب فما السبب يا ترى واين مكمن المشكلة؟

انتظمت الانساق السياسية وعبر التاريخ في مناهج ومدارس وقادتها نظريات واهواء شتى اصطرعت على ارض الواقع بنحو شديد الوطأة على الناس وخلفت من الدماء بحاراً و من الخرائب جبالا ، غير ان القانون الأزلي للحياة قانون الصيرورة، ظل كفيلا للحفاظ على النوع البشري من الزوال على الرغم مما اقترفته ايادي الطغاة من الحكام من مثل كاليغولا، نيرون، كسرى، موسوليني، هتلر، بينوشيت، شاويشيسكو، ستالين، صدام ، معمر ، والقائمة تطول.. وحين نحاول ان نتذكر اسماء حكام عادلين اتفق على وصفهم المؤرخون ، سنعاني الخيبة في قلة عددهم اذ لا يتجاوز الامر سوى النزر اليسير… 

ويمكن الملاحظة بنحو عام ما للعقائد والاديان من دور فاعل لعبته في تعضيد واقامة الحكومات الشمولية اذ مثل اولئك الجبابرة الهيئة الارضية للالهة القاطنة هناك في الماوراء ترقب من عليائها طاعة الجماهير المغلوبة على امرها لاسيادها المخولين بمنح رخص العيش والحاكمين باوامر الالهة..

وفيما بعد نافست الايديولوجيا بشتى تصانيفها سلفية كانت ام مستقبلية، العقائد المقدسة في الاستحواذ على كرسي السلطة المقدس، وتحكمت بنحو بالغ القسوة بالمصائر الانسانية وقادت قطعان البشر تحت يافطات براقة خادعة، الى مسالخ الحروب البالغة الاهوال.. وهكذا ظل مصير الانسان ريشة تقاذفتها رياح الصراعات المتلاطمة بين جزر طويل ومد حسير، حتى اهتدت البشرية اخيرا الى وضع القوانين المنظمة لنوع راق ومتطور من انواع الحكم الا وهو الحكومة الديمقراطية بمعناها الاكثر حداثة ، اذ صار الحاكم فيها محض موظف مكلف باداء خدمة عامة ولزمن محدود، تم اختياره سلفا بوساطة الانتخاب الحر الغير مقيد ما اتاح متنفسا راح يتسع نسبيا لمقدرة  الفعل الثقافي وتأثيره على مقدرة الفعل السياسي على نحو ايجابي داعم ومعاضد لتحقيق الغايات المتوخاة في خدمة الشعوب.

ونحن اليوم على الصعيد العراقي، وبعد مضي ماينوف على العشر سنوات على إندحار دولة الاستبداد وشخوص العهد الديمقراطي بكل أمتيازاته المنفتحة، مازلنا نفتقد نضوج ملامح السياسي الثقافية بنحو مريع، فهل بين ساستنا من يتسم بذائقة نقدية أو حساسية ثقافية خاصة؟ من منهم على دراية ، ولو نسبية،  بمحمولات الابداع العراقي،  ولا أقول الأنساني، بشتى تصانيفه، شعرا ، سردا ، مسرحا، تشكيلا، سينما،  موسيقى؟ وهل من بينهم من قرأ نصا فلسفيا عربيا كان أم عالميا؟ بل ربما كان الاجدى بنا أن نعيد صياغة الأسئلة على النحو التالي: ما موقف ساستنا من منتجات الثقافة بنحو عام؟ ايحللونها أم هي، في حسباناتهم، محض أرجاس ورذائل، او هي في أفضل أحكامهم مضيعة للوقت ولغو ليس أكثر؟  

بالطبع لست أتهم الجميع، فهناك بالتأكيد ثمة أستثناءات،  ولكن أيمكن أن نلحظهم من بين غيوم سود مدلهمة تمثلها حشود من ساسة جهلة؟! وأين هم من مفاصل القرار؟! وتلك، لعمري، طامتنا الكبرى…

التعليقات معطلة