اعتاد الفيلسوف شوبنهاور على وضع قطعة ذهبية امامه على طاولة المطعم او الكازينو، فيظن النادل انه قد يقدم تلك القطعة النقدية بقشيشا لهم..  إلا أنها ظلت تعود الى جيبه..  ذلك انه خصصها هدية لأي اثنين حوله لا يغتابان ولا يقشبان ولا يتعرضان لسيرة الآخرين.

كان الناس في وقته، قبل حوالي ثلاثة قرون، يملأون حياتهم الخاوية بتناقل أخبار الناس وبالغيبة والنميمة والقشب وهذا ما اصبح من الماضي العقيم..  هناك..  بعد ازدحام وقت المتحضرين بالعمل والانتاج والمتعة وخلق المعنى ولا يكاد الانسان المعاصر لينفذ نصف ما يود عمله..  فيما واصلت الشعوب المتخلفة تبديد الوقت والحياة بالسطحي وغير المجدي..  وربما بالتافه والخرافي..  والظن ان شعوبا مازالت تقاد مثل قطعان الى المجازر…  او الى الشقاء…  وبالنسبة للعرب فان الأجداد..  وحين كانوا حفاة وجعلوا من بواطن أقدامهم مماسح لأيديهم ..مازالوا بسطوتهم وقد تضاعفت بوسائل التكنولوجيا الحديثة..  وما زالت مواقفهم الملونة بنزواتهم وخوائهم وفقر تجاربهم تؤثر على الكثيرين.. وما زال هناك من يتمترس بهذا الذي وصله من خيمة البادية الى بيته الالكتروني.. وقد يصاب فيلسوفنا، شوبنهاور بالذهول اذ يرى في عصر وحدة البشرية وتواصلها وثراء وقتها.. يرى انتاج، وإعادة إنتاج واجترار ما قبل قرون كثيرة.. وان في الساسة من ينحر قناعات وافكار واتجاهات وابنية وصروح.. وربما شعوبا وهو يظن انه يبني وينتج ويضيف ويبدع.

يتوفر الوطن العربي على كل أسباب ومقومات ان يتصدر بلدان العالم في التمدن والحضارة.. وفي إقامة الفردوس على الأرض وفي تجسيد الملائكة فيها ودفع بقية الشعوب والامم لتقليدها وامتثال سلوكها واخلاقها والنظر الى الدين بعين أخرى.. بدل هذا الواقع الذي يدفع للاستغاثة بدول وبلدان لا تتوفر على جزء يسير مما في وطنه.. فهناك عقول تعمل وقلوب تحب وارادات لا وقت لديها لمتابعة برنامج يومها. وللحاق بالأفكار والوقائع الجديدة.. إنها تتجه الى يومها وغدها.. فكان أن صارت قبلة المثقلين بترهات الأمس.

يقول شوبنهاوربأن كل تدخل في السياسة من جانب غير الموهوبين سياسيا فيه للدولة إفساد شديد، وما جر الويل على الدولة إلا اشتغال الهواة بالسياسة، واعتقاد كل فرد ان له الحق بالاشتغال بها والزج بنفسه في تيارها.

بوسع الفيلسوف ان يخصص سبائك ذهب لمن يدله ويقوده الى اي سياسيين عراقيين لا يغتابان ولا يقشبان سواهم والى اكثر من الف عام.. وليضاعف سبائكه لمن يعرف ويسمي منهم اصل المشكلة العراقية.

التعليقات معطلة