في هذا الموقد العملاق المتأجج النيران تميّزت المعادن الثمينة عن الوضيعة، والرجال عن أشباههم، والأكاذيب عن الحقائق، وانفصلت الأوضار عن العناصر الأصيلة، وفينا من اقتنع وآمن أن أفضل صالونات الحلاقة والتجميل هي السلطة تداوي وتعالج الوجوه القبيحة والطبائع المشوهة وتخفي الكثير من الشناعات، والأكيد يأتي مع السلطة الحظوظ والمصادفات، وان المقصود بالسلطة, سلطة المال والحكم والسياسة والقوة والشهرة، …وقد وفرت هذه الحرائق الذرية للعراقي ان يميز الأشياء والوقائع والظواهر، وقبلها الرجال عن بعضهم البعض، واستفاق مذعورا على أباطيل كانت في باب الحقائق المقدسة، وفزع من أسماء كان يراها محلقة مع النجوم والأقمار واذا بها بالونات منفوخة بغازات البطون العفنة، وكان العراقي سيمضي إلى دار حقه وهو على يقين من عظمة أسماء ورجال ورموز في النضال والوطنية, وفي الفكر والأدب والإبداع والثقافة لولا هذه التجربة العنيفة والقاسية فبان وتجلى الفراغ والخواء عن طروحات وشعارات وقضايا ورجال، ويرتد العراقي ويتساءل: كيف انطلى عليه كل هذا الكذب الفاضح؟؟ كيف صدق بإنسانية وغزارة وامتلاء هذا الطائفي الأجوف؟؟ وعلى أي شيء استند بإيمانه بهذا النكرة؟
يحدث هذا في الشعوب والمجتمعات وتطلع الحالات والظواهر والأسماء الباطلة، والوهمية وتمضي إلى النهاية، وقد وفرت تجربة العراق الصعبة ان يميز ويعرف وينظر على نحو سليم، قبل النهاية… ولم تعد السمعة والشهرة والسلطة بكل معانيها ,المادية والمعنوية لتحجب عين العراقي عن الرؤية والتشخيص والتمييز، وكما أن الحداثة وما بعدها قد وجدت ان العالم بلا سحر وان السحر الذي توارثه قد بطل وانتهى فان عراقي اليوم لم يعد يتردد أو يتهيب أمام الأسماء والعناوين فيسميها بما تستحق من أسماء: فهذا الاسم المدوي مجرد دعسوقة، وهذا العنوان الجليل مجرد خرقة عفنة.
أكيد، ليس المقصود هذه الزحافات والتبدلات الاخلاقية، هذه النذالات وعدم الوفاء وتبدلات المواقف والولاءات التي صنعتها وأرغمت عليها الظروف السوداء وغير الإنسانية، بل تلك التي خلقتها سلطة المال والسياسة وفنون الكذب مع مواتاة الظروف والمصادفات.. فهذه نتاج طبيعي تنمو على هوامش أشجار السنديان والقامات الشامخة، وقد تهيأ للعراقي أن يفرزها ويلفظها، ولن يبعد اليوم الذي تطرح في التداول وعبر الحكايا والطرائف عن عملاق في النضال وهو طائفي، وعن عملاق في الثقافة وهو لا يجيد قراءة وفهم نص صحفي بسيط، وعن عملاق في الزهد والتصوف وتتحدر من زاويتي فمه شلالات اللعاب على ما لا يستهوي الشحاذ، وعن سياسي يعرف العراقي اكثر مما يعرف سواه من يكون، عبر تجليات نضاله، هذا إذا تعصف الكراهية والتخلف بالعراق ولا تتيح حتى فرصة رؤية الخراب.