في حياتي الصحفية التي تقرب من خمسة عقود ، لم ألتق رجلا بكفاءة الباحث التراثي العراقي الدكتور عبد الله البغدادي فقد كان الرجل غزير المادة، دقيق المعلومات، سهل اللغة الى جانب طريقة في العرض شيقة (آمل أن لا يحصل خطأ مطبعي وتظهر شبقة) لعل الطريق الطريف في هذه الشخصية المغتربة منذ عام 1979 التي ترددت على البلد بين الحين والحين الآخر انها كانت شديدة الاهتمام بالاضافات والتعليقات الجانبية وغالبا ما تلجأ إلى لازمة يكثر ترددها وهي الشيء بالشيء يذكر أو أحيانا عبارة (وبهذه المناسبة) .
آخر محاضرة ألقاها البغدادي كانت في تموز الماضي على قاعة المسرح الو طني التي غصت بالحضور وكانت تحت عنوان ( الخانات العراقية .. فنادق من طراز خاص) وقد تناول الرجل ابتداء خان مرجان ومن أين جاءت التسمية؟ وفي أية سنة تم بناؤها؟ وما هي الخصائص الفنية والمعمارية التي إنفرد بها وكم عدد غرفة؟ … الخ
وتوقف قليلا وشرب جرعة ماء ثم واصل كلامه (وبهذه المناسبة فقد أدى الخان عدة وظائف في أثناء مسيرته الطويلة) وتحدث بالتفصيل عن طبيعة تلك الوظائف قبل ان يختم حديثه بجملة ظريفة جعلتنا نبتسم بحزن ( أما الآن فتم اجتثاث الخان وأصبح عاطلا عن العمل ) ! هكذا كان المحاضر البغدادي يمتلك أسلوبا ممتعا في التنوع والتقلب بين الجد والهزل ، وبين المعلومة والمزحة ، وبين الماضي والحاضر ، وهو أسلوب يشد المستمع ويدفع عنه الملل ، وربما تعلم هذه الطريقة من (الخارج) لاننا في الداخل لانحسن التنوع ونكره التغيير في كل شيء حتى ان الواحد منا اذا جلس على الكرسي لن يغادره إلا بالعين الحمراء!
كانت الساعات معه تمر مرور الدقائق وهو يتنقل من خان مرجان الى الخانات الاخرى ، النص والاسكندرية والنبكة والمحمودية والضاري .. الخ وهو يأتي على وثائق ومعلومات وأحداث طريفة او مؤلمة لم نسمع بها ، وفي قرارة نفسي كنت أتمنى على محاضري الجامعات ، وعلى بعض اعضاء البرلمان والمحللين السياسيين الذين يعشقون الفضائيات لو تعلموا من هذا العراقي المغترب فنون الخطاب والمحاضرة والحديث حتى لانهرب من المسلسلات التركية والأفلام الهندية !
الوقفة الأخيرة كانت عند (خان جغان) حيث أسهب على عادته في أدق التفاصيل الجغرافية والتاريخية والمعمارية ، وكيف كان هذا الخان مفتوح البوابة على مصراعيها يدخله منهب ودب بلا حساب ولاسؤال ولا رقيب ولهذا صار مضرب المثل ، فإذا دخل موظف على المدير من غير ! استئذان او موعد سابق صرخ في وجهه (هاي شنو افندي … خان جغان ) ولكن المشكلة على حد تعبيره إن جنود الاحتلال الذين يقتحمون منازل المواطنين ويصرخ أحدهم (شنو هاي .. قابل بيوتنا خان جغان] ، يصعب عليهم فهم العبارة ، وربما يتصورون ان تسمية (خان جغان) شتيمة قاسية تستوجب تقييد اليدين إلى الخلف ووضع الرأس في كيس [وبهذه المناسبة فمهما قيل عن الجنود الاميركيين فإنهم شفافون جدا حتى أكياسهم تتمتع بأعلى مواصفات الشفافية] ، المهم حين انتهى الرجل من حديثه عن آخر الخانات لم ينس ترديد العبارة الأثيرة لديه [أيها السيدات والسادة الأفاضل … الشيء بالشيء يذكر فإن حالة العراق أشبه بحالة خان جغان و ..] وأجهش بالبكاء بحيث لم استطع التعرف على وجه الشبه بينهما ، لان المحاضر غادر المنصة مختنق الصوت ، وقد حاولت الاستعانة بالحضور ، نظرت إلى الصف الذي أمامي ، إلى اليمين واليسار ، الى الصف الذي ورائي ، كان الجميع قد أجهشوا بالبكاء إلا أنا (ثور الله بأرض الله) ، لا ادري ماذا يدور حولي ، ولذلك رحت أبكي بأعلى صوتي ، والشيء بالشيء يذكر ، فإن المثل يقول : الحشر مع الناس عيد !!