منذ قرون بعيدة توصل العالم الى شيء اسمه الشائعة، غير ان هذه المعرفة المبكرة، كانت بسيطة وفي خطوتها الأولى، ومن هنا اقتصر اهتمام الأقدمين على توظيفها في مجال (الحروب) يوم كان هذا المجال هو الشغل الشاغل للإمبراطوريات العظمى التي ظهرت عبر تاريخ الإنسانية الطويل، حيث لاهم لها سوى القتال وفرض النفوذ وتوسيع رقعتها الجغرافية .
ولا خلاف على ان التطورات الكبيرة والمذهلة التي أنجزتها البشرية في مسارها الصاعد، لم تكن حكرا على الصناعة والزراعة والتقنيات العلمية، بل شملت مفاصل الحياة جميعها، وكانت (الشائعة) في مقدمة تلك المفاصل او المفردات الحياتية، ولهذا انتقل فهمها ودورها وتأثيرها الى مجالات جديدة أوسع وأرحب من ميدان الحروب، فكان لها صوتها الفاعل في الاقتصاد والسياسة، وأصبحت علما قائما بذاته، وأفادت كثيرا من معطيات علوم النفس والاجتماع، ثم تعاظم أمرها والإقرار بدورها الى الحد الذي باتت فيه (مادة علمية) يتم تدريسها في معاهد متخصصة، وبالذات المعاهد المرتبطة بالفعاليات الاستخباراتية والمخابراتية .
والشائعة كما هو معروف اليوم سلاح من أسلحة المعارضة، ولا يحضرني الآن اسم الدولة التي أدت فيها إحدى الشائعات المحبوكة الى إسقاط النظام، وذلك بعد ان توقفت الدولة عن توزيع حليب الأطفال، مع عدم توفره في الأسواق لمدة سبعة أشهر، وهو الأمر الذي أثار استياء الأمهات وغضبهن الشديد، وقد استثمرت المعارضة هذه القضية فقامت برفع مئات اللافتات التي تدعو الأمهات الى مراجعة مقر الحكومة لتسلم حصتهن من الحليب بأثر رجعي، وحددت ساعة معينة من صباح اليوم الثاني للمراجعة، وفي الوقت المحدد تجمع عدد لا يحصى من النساء، وعدد مماثل من رجال المعارضة، وحين ظهر مندوب الحكومة ونفى صحة الخبر، انفجر الغضب النسوي وتحول الى مظاهرة صاخبة شاركت فيها الجماهير الناقمة على سياسة النظام، ولم تنته المظاهرة إلا بسقوط الحكومة.
غير ان الشائعة بالمقابل هي سلاح تلجأ إليه السلطة، ففي النظام السابق، كانت الحكومة تعمد بين الحين والحين الآخر الى التعتيم الإعلامي على احد رموزها الكبار، فلا يبث عنه خبر في الإذاعة او التلفزيون او الصحف، ولا يظهر في اية فعالية رسمية او شعبية، وتتولى أجهزة مكلفة بالإشاعات بالحديث عن إعدام هذا (الرمز) او إعدامه او اتهامه بالتأمر … الخ ويستمر هذا التعتيم ثلاثة أشهر او أكثر، حتى يقتنع الناس بالشائعة ويتداولونها كحقيقة مؤكدة، وفجأة يظهر (الرمز) برفقة صدام حسين وهما يبتسمان، وكأنهما السمن على العسل، وبهذه الطريقة لن تصدق الناس شائعات مستقبلية، حتى لو كانت حقيقية مئة بالمئة .
في اغلب بلدان العالم، هناك مؤسسات معنية، تعمل على تحصين شعوبها من مخاطر الشائعات (المغرضة والمضللة) ، لما لها من آثار سلبية على امن البلاد واقتصادها، وقبل ذلك على ذهنية المواطن وأفكاره، واعتقد ان وضعا كوضع العراق، يتطلب مزيدا من تحصين الجماهير ضد الشائعات التي تتحدث عن تحسين البطاقة التموينية مثلا، او زيادة رواتب المتقاعدين، او توفير السكن لكل عائلة، لان هذا يشوش أفكار الناس ويزعزع استقرارهم النفسي !!.