يبدو من الصعب، التمييز بين مفردتي ( الهدية والتكريم)، على الرغم من ان كل واحدة منهما تنتمي الى جذر لغوي خاص بها، فالهدية كما هو معلوم، إذا جاءت ضمن سياقها الاجتماعي والأخلاقي، تكون مقبولة بل هي فعل حضاري وايجابي من شأنه تمتين الروابط بين الناس وتعزيز علاقاتهم الإنسانية، وبخلاف ذلك فأنها مرفوضة، وقد ترقى الى السلوك الشائن، ومن ذلك الهدية التي يقدمها الرجل لزوجته، (مضطرا) بمناسبة عيد ميلادها الثلاثين أو الذكرى الخامسة والثلاثين لزواجهما، ومن ذلك كارتات الموبايلات والساعات وقطع الذهب التي تعطى للموظفين، أو ملايين الدولارات التي تقدم للمسؤولين على انها هدايا وهي جميعها في الحقيقة رشاوى مغلفة بورق ملون، ولا تختلف التكريمات في شيء عن الهدايا، فنمها ما هو شرعي ومطلوب حين تكرم إنسانا أدى عملا متميزا أو استثنائيا، ومنها ما يفتقر الى المسوغات ولا يبتغي وجه الله، حين تدفع (عشرين ورقة) مثلا للحصول على وظيفة، أو لكي تأخذ فرصة غيرك!!
وإذا كانت العرب قد عرفت اول أنواع التكريم وخصت به الشعراء طمعا في مدائحهم او قطعا لألسنتهم، فان صدام حسين اول من خرج على القاعدة العربية حين وضع للتكريم (قواعد) خاصة به، وراح ينفق أموال الدولة على هواه وكأنه ورثها عن أسرته، وبذلك سن سنة سيئة له، ولبعض من تبعه من بعده!! إلا أن للتكريم أنواعا غريبة يصعب تصديقها ومن ذلك ان يتكرم احدهم بابنته أو أخته، زوجةً الى ضيفه، بل تأخذ نوبة الكرم بعضهم الى خلع زوجه، والتبرع بها كما لو انه يخلع ثوبا أو خاتما، ومن ذلك ما يقوم به بعض الرؤساء، من اقتطاع مساحات واسعة من أراضي شعوبهم وتقديمها هدية أو تكريما الى دولة جارة، ومنهم من يتبرع بثروات البلاد الى حلفائه خارج الحدود وشعبه يئن من الجوع!
على المستوى الشخصي وقفت على صيغة طريفة من صيغ التكريم فقد كنت في مهمة صحفية مع الصديق الدكتور حميد عبد الله الى محافظة ذي قار للكتابة عن مدن المحافظة لصالح مجلة “ألف باء” ضمن زاوية (مدن عراقية)، وبعد ان أنجزنا تحقيقا عن الناصرية وآخر عن سوق الشيوخ، توجهنا الى إحدى النواحي، وكان مدير الناحية رجلا عشائريا كريما، يحسن الحديث عن المضايف والأنساب ودلال القهوة، أكثر مما يجيد الكلام عن الخدمات والقوانين، وحين انتهت مهمتنا الصحفية في الناحية وعزمنا العودة الى بغداد، قرر الرجل تكريمنا، وكان التكريم بعيرا، متعافيا من خيرة الإبل (والله العظيم لا امزح)، واقسم برب العزة ثلاثا ان نأخذه معنا، ولم تنفع معه، اعتذاراتنا، وان منظرنا سيبدو مضحكا ونحن، (أفندية) بأربطة عنق أنيقة، ونحمل حقائب دبلوماسية حديثة، ونقود بعيرا في شوارع العاصمة، ولذلك انتهزنا اول فرصة سانحة وهربنا من الناحية وتركنا الرجل يدفع كفارة اليمين!!يجب ألا تذهب بنا الدهشة بعيدا ونتوهم ان حكاية البعير، ومدير الناحية، هي أطرف حكايات التكريم وأغربها، فهناك ما هو أكثر طرافة واشد غرابة، ليس ابتداء بالعفو عن مزوري الشهادات وتكريم المتجاوزين على أراضي الدولة، وليس انتهاء بمنح أصوات الناخبين لنواب لم تنتخبهم الناس!!