منذ 30 سنة تقريبا ، إعتدت على حمل الحقيبة الدبلوماسية ، بعد اكتشافي إنها شيء عملي بالنسبة لي ، حيث الأوراق والجرايد والكتب والسجائر والولاعة وهوية النقابة والمستمسكات الأربعة المعروفة التي تثبت عراقيتي !! والحق فقد شعرت ان السبب الرئيس في احترامي يعود إليها ، وإنني من دونها مواطن لا يساوي فلسين ، فقد كان مدراء الدوائر ينظرون إلي بعين التقدير ، والناس يخاطبونني بمفردة ( أستاذ ) وبعضهم يمنحني لقب ( دكتور ) ، ولهذا زاد تمسكي بها ، وبدأت احملها حتى عندما اذهب بدشداشتي من المنزل الى فرن الصمون !!.

في الشهر الماضي ، كنت معها في العادة في طريقي الى الدوام واستأجرت سيارة ( تاكسي ) لكوني خرجت من البيت متأخرا ، وما ان قطعنا بضعة كيلومترات حتى  توقف السائق وغادر المركبة ، ورأيت على الرصيف سيدة قام بمصافحتها ، ورجلين صافحهما كذلك ، وبادلهما القبل ، ثم توجه الجميع نحوي ، وتولى السائق مهمة التعارف بيننا ، وعلمت منه إنهم أقاربه ، والتفت إليهم قائلا: ( أرجو المعذرة ، كان بودي إيصالكم ، فانتم على الطريق ، ولكن هذا غير لائق فالأستاذ استأجرني ولا يصح ان أضايقه ). يا الهي كم أعجبني سلوك هذا الرجل المتحضر ، وأثار نخوتي العراقية ، ولهذا حلفت بالطلاق فورا ( لأنه اقرب كلمة من لساني ) ان يتفضلوا بالصعود ، وهكذا جلست السيدة في المقعد الأمامي ، فيما توسطت الرجلين في المقعد الخلفي ، ولم تكد المركبة تنطلق حتى استقبلت حاصرتاي مسدسين ، وأدركت إنني (مختطف) ، ولكنني لم أكن خائفا فأمامنا عشرات السيطرات ، وعمد السائق الى تغيير وجهته ، بحيث لم تصادفنا سوى سيطرتين ، شاء سوء الحظ ان لا تؤشر أجهزتهما على المسدسين ، ووجدت نفسي معهم خارج حدود بغداد في منطقة خالية من السكن والمارة ، وكانت الخطوة الاولى التي اقدموا عليها هي تفتيش جيوبي الفارغة ، ثم حقيبتي التي لم يعثروا فيها على اكثر من (23) الف دينار ، ولهذا انزعجوا وتولت السيدة صفعي صفعة قوية ( انتم الصحفيون أثرياء … فاين تخفي نقودك ابن ال … ) ، كانت شتيمة قبيحة خصت بها أمي فأقسمت لهم إنني لا املك غير هذا المبلغ ، وهو كل ما بقي من الراتب ، وأنهم واهمون في تصورهم حول ثراء الصحفيين ، واعتقد انهم صدقوني لذلك بدأت خطوتهم الثانية ، وهي التحقيق معي ، فاوضحت لهم ان مجموع دخلي الشهري هو (850) الف دينار ، ادفع منه (350) الف دينار للإيجار و (100) ألف لوالدي المتقاعد ، و (75) الف للمولدة ، ويبقى معي (325) الف دينار لمصروف البيت واجور الماء والكهرباء والنقل والموبايل والطبيب والملابس ، كما أوضحت لهم ان أسرتي تتكون من زوجتي و3 ابناء جميعهم في المدارس ، واننا نعيش حياة نباتية ، ولا نعرف شيئا عن الوان اللحوم ولا انواع الفاكهة والحلوى و … وقاطعني السائق وعرض علي العمل معهم فقلت له بصدق ( لولا خوفي من الحكومة لما ترددت لحظة واحدة ! ) واستغرب الرجل ( والله عجيب امر الحكومة الا تشبعكم ولا تخليكم تصيرون حرامية !!)ولم أرد عليه فقد كنت أراقب السيدة وهي تتقدم نحوي ، وهيأت نفسي لصفعة جديدة ، الا انها فتحت حقيبتها و استلت رزمة من النقود ودستها في جيبي ( هذه “150”  ألف دينار للأولاد ) وحاولت جاهدا رفضها من دون أخبارها أنني رجل لا يسمح للمال الحرام ان يلوث لقمة عائلته ولكنها لم تعر رفضي اهتماما ، ثم أمرت العصابة ان تقلني الى الشارع العام وتطلق سراحي وهكذا انتهى الأمر بسلام ، ولم اذهب الى الدوام ، بل عدت الى المنزل وكأنني تعرضت الى كابوس ، ومن يومها تخليت عن الحقيبة لأنها مواطن شبهة ، أما المبلغ فما زال معي ، ولست ادري هل أسلمه الى الشرطة أم احتفظ به للذكرى ؟!!.  

التعليقات معطلة