آن الأوان بعد تسع سنوات من الاحتلال، ان نضع أمريكا وسياستها في الميزان، وان تكون أحكامنا هادئة وعلى أعلى قدر من الموضوعية لنقول ما لها وما عليها، وهي تعلن عن انسحاب آخر غزاتها، وسواء شئنا أم أبينا، فلا بد من الاعتراف بأن زحزحة النظام الدكتاتوري كان ضرباً من المستحيل –على الرغم من نضال الشعب العراقي وشهدائه وتضحياته– لولا ذلك الحشد العسكري الهائل الذي لملمته الولايات المتحدة ، وأسقطت به حكما عشائريا وراثيا، كان مقدرا له ان يكون الأطول من نوعه على مر التاريخ!
وشئنا أم أبينا، فان أميركا تبقى صاحبة الفضل الأول في نشر مفهوم الحرية ومبادئ الديمقراطية التي منحتنا هذا الكم الفائض عن الحاجة من حريات التعبير عن الرأي والصحافة والفضائيات والأحزاب والانتخابات والتظاهر والمطالبة بالأقاليم ونقد الحكومة وانتقاد الوزراء من دون محاذير أمنية او مركبات مضللة تزور بيوتنا آخر الليل أو ساعة الفجر، وعلى يد هذا المحتل انطلقت حناجرنا المكبوتة والمحرومة، تهذي ليل نهار بالشفافية والمظلومية والكوتا والأقليات والأغلبية والحكومات المحلية والدستور والتعددية والعلمانية والأحزاب الدينية والبعث الصدامي والمقابر الجماعية والقاعدة وحقوق الإنسان والمفصولين السياسيين، وهي مفردات ومصطلحات لا علم لنا بها من قبل ولا دراية!
نعم نحن مدينون لأمريكا بهذا كله ولولاهم ظلت لغتنا مؤطرة بتعابير النخوة والرجعة والزحف الكبير والقائد الضرورة والأستاذ الفاضل وليخسأ الخاسئون.
ولخضنا حروبا جديدة ومعارك طاحنة مع مزيد من الجوع والحصار والعزلة العربية والإقليمية والدولية، غير ان للاحتلال بالمقابل وجها آخر، فهو وحريته وديمقراطيته وسياسته، يتحملون المسؤولية بهذا القدر أو ذاك، ان لم تكن المسؤولية كاملة في بعض الأحيان، عن مئات السيئات التي قادت البلد الى الهاوية، فتحت سلطتهم وأعينهم، أصبح العراق ساحة للمصالح والأجندات والصراعات الإقليمية، وكأنه فريسة (مباحة) للوحوش الضارية تتقاسم لحمه بالاتفاق مرة وبالقوة مرة أخرى، حتى طعمت فيه وحوش مستضعفة كانت الى الأمس القريب من آكلات النبات فإذا بها في ظل الاحتلال تكشف عن أنياب وخالب وشهوة عدوانية وعدائية لتمزيق الجسد العراقي وامتصاص دمه، وتحت سلطتهم واحتلالهم وأمرهم تمت الإطاحة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وفتحت حدودنا على مصاريعها، تدخل منها وتخرج متى تريد، أفواج المسلحين الإرهابيين والبارود والأصابع والأحزمة والدولارات، وبأمرهم وحدهم زرعت فسائل المحاصصة والطائفية ونمت وترعرعت وأتت ثمرها المر، الذي ان سيحرق الأخضر واليابس، لولا الحكماء والعقلاء والمخلصون من علية القوم، وقبل ذلك لولا وقفة الشعب نفسه، حيث فطن مبكرا الى ما يراد به، وان معاركه الطائفية ستنطلق اول ما تنطلق من أسرّة النوم الزوجية، فؤاد الفتنة، وبصق الثمرة، وأبطل مفعول الفتيل الأميركي، وفي أثناء وجودهم احتل العراق مرتبة دولية لا يحسد عليها في الغش والتزوير والفساد، وفي أثناء وجودهم كذلك، تجاوز شهداؤنا شهداء الجزائر مضرب المثل، وأصبحنا نمتلك جيشا من اليتامى والأرامل والمعوقين يغطي عين الشمس و… وللحديث صلة!