(ربما) 3 ساعات هو الذي استغرقته حكومة الشراكة الوطنية لإلغاء البطاقة التموينية، بينما عجزت حكومة القرارات المفاجئة على مدى 3 سنوات عن إصدار قانون التقاعد الموحد، الذي ينصف شريحة اجتماعية مستضعفة، وأقولها ابتداءً، وقبل الدخول بأية تفاصيل، ان (الشركاء) كانوا أسرع من الصقر في جرح المواطن، وأبطأ من السلحفاة في تضميد جراحه!
لم تنجح علب الماكياج المستورد في تجميل صورة (الإلغاء) وتسويغها، والقول بان عقود استيراد مفردات التموينية شابها الكثير من شبهات الفساد، هو عذر «أسوأ» من الذنب، ليس فقط لان المطلوب كما تقضي لغة المنطق والحكمة ان يتم علاج الفساد واجتثاثه بخطط علمية واقعية مدروسة، واعتماد الاجراءات القانونية الصارمة، وانما كذلك ـ وهو من المضحكات المبكيات ـ ان شبهات الفساد باتت العلامة الفارقة لسلوك الدولة وعقودها، ليس ابتداء بتعاملات البنك المركزي وعقود التسليح، ولا انتهاء بعقود النفط والكهرباء، ومن يدري، فقد تكون شبهة الفساد قد طالت حتى (عقود الزواج)، ومع ذلك لم يصدر قرار بالغاء اي عقد، ما عدا العقد الذي يتعلق بخبز الناس وقوتهم، وانا على يقين من ان الذين صوتوا على قرار الالغاء، لا يأكلون من الحصة التموينية التي يأكل منها المواطنون، ولا يشربون من الماء الذي يشربونه، ولا يعرفون ان كان طحين الحصة يصمد في التنور ام انه (سيال)، ولابد ان أحدا منهم لم يذق تمن التموينية لكي يستغرب كيف يستسيغ العراقيون طعمه، ويقيني أكثر ثباتا، إنهم يجهلون ان الحصة ما عادت توزع بانتظام، وآلاف العوائل لم تتسلم نصيبها من السكر مثلا لاشهر عدة مضت وفات أوانها وضاعت على الفقراء، فهل احد سأل او تابع أو انتخى؟!
على أن القضية الأهم من ذلك كله: هل تستحق البطاقة التموينية الأسف او اهتمام المواطن وحزنه، إن بقيت أو اختفت -على الرغم من ان حزنهم عظيم على اصابعهم البنفسجية ـ فالذي صمد من مفرداتها هو (الرز والطحين والزيت والسكر) وخزينة الدولة تفيض بالدولارات بحيث أصبحت توزع خيراتها، جزاها الله خيرا، على الشعوب المحتاجة، بينما كانت التموينية في ظل النظام المقبور، وفي ظل خزينة خاوية أنفقها الدكتاتور على حروبه تضم (الرز والطحين والزيت والسكر والشاي والصابون وملح الطعام ومساحيق الغسيل والفاصوليا والعدس والبقوليات) واحيانا الشخاط وأمواس الحلاقة، والغريب ان تلك التموينية الدسمة، لم تتلكأ، وليس المقصود هنا، المقارنة، وانما التذكير، وان كان التذكير الأشد مرارة، هو ان الاسعار التجارية لمفردات البطاقة بعد إلغائها سترتفع الى عنان السماء، ولن تستطيع الأجهزة التنفيذية والرقابية السيطرة على ألاعيب السوق، طالما الرشوة والضمائر الغائبة هي المهيمنة، وبالتالي فان تعويض المواطن بمبلغ الصدقة البالغ (15) الف دينار، ليس مخجلا فقط، بل هو اقرب إلى (النكتة) التي تشبه نكتة والدتي العفوية، التي صدرت عنها ليلة الإعلان عن اجتثاث التموينية، فقد كانت شديدة الفرح بمبلغ التعويض، حتى انها فكرت بتوزيع (خبز العباس)، ودعت للحكومة بطول العمر والعافية، ظنا منها، أن هذا المبلغ يتسلمه المواطن بصورة يومية وليس شهرية !! يا الهي كم ضحكنا تلك الليلة !!