لقد كتبنا منذ شهر عن المعاني السياسية للزيارات الدبلوماسية وقصدنا بها زيارة السيد المالكي لأمريكا، واليوم حدثت الزيارة وتم المؤتمر الصحفي الذي شاهده المتابعون وكل له رأيه واستنتاجاته.

والملفات التي كانت تنتظر هذه الزيارة كبيرة وحساسة وخطيرة. وبغض النظر عن الاتفاقيات المنتظر عقدها مع الجانب الأمريكي المحتل للعراق والطامع بحصانة المدربين الأمريكيين، ولكن هذا الطمع وتلك الشهية ستقلل من حدتها ملاكات السفارة الأمريكية في العراق والتي سيكون لها “15000” منتسب وهو رقم يخفي بين طياته احتضان المشاريع الأمريكية للهيمنة والاشراف والتغلغل في ثنايا المجتمع العراقي ومؤسسات الحكومة التي كانت منظمة rti “قد اطلعت على كل مفاصل هيئات الحكم المحلي في المحافظات وعرفت كيف تتعامل مع اعضاء مجالس المحافظات من عديمي الخبرة ورؤساء الدوائر الحكومية المسيرين من قبل اعضاء مجالس المحافظات ومن قبل أحزاب السلطة ومنتسبيها الذين يجهلون فن السياسة مثلما يجهلون فن إدارة الدولة.

ولعل الهاجس الأمريكي الأول من حيث التوقيت والمناسبة في مباحثات – اوباما – المالكي – هو الملف السوري وموقف العراق منه لاسيما بعد زيارة نبيل العربي امين عام الجامعة العربية الى بغداد والتي لم يستطع من خلالها ان يثني الموقف الحكومي العراقي الذي كان متميزا في طريقة إخراجه يوم صوت وزراء الخارجية العرب على تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية وكان تصويتا فاقدا للنصاب القانوني كما تنص عليه أنظمة الجامعة العربية، وعرف يومها ان الضغط الأمريكي ومن ورائه اللوبي الأوربي الشريك المصيري للصهيونية ودويلتها ” اسرائيل ” مع الجهود التركية ذات النزعة العثمانية صاحبة الإرث السيئ في المنطقة العربية والعراق هي المناور الجديد والصديق الذي يدعو نفسه لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب معتمدا على رصيد العلاقة مع الاحزاب السلفية التي عبر عنها علي بلحاج الليبي المنتسب للقاعدة في استعداده لنقل المقاتلين الإرهابيين الى سورية عبر تركيا.

هذا التجمع المكون من – الطورانية العثمانية الجديدة – ومن انظمة التبعية العربية – ومن الأحزاب السلفية الموعودة بكراسي الحكم بسخاء مال التبعية العربية وأنظمتها التي تحتمي بالوجود الامريكي وقواعده في المنطقة العربية لقاء التخلي عن رفض الوجود الاسرائيلي والشروع بالتطبيع بعد تفكيك محور الممانعة ومقاومتها للوجود الصهيوني ومشاريع الهيمنة الأمريكية التي ثبت تحيزها المطلق للوجود الاسرائيلي وقبولها التعاون مع الفصائل الإرهابية لتحقيق الامن الاسرائيلي.

لذلك اصبح الضغط على الشعب السوري وتعريضه للحصار الاقتصادي هو الشعار المرفوع رغم مخالفته كل أعراف العمل الدبلوماسي وميثاق الامم المتحدة والتي عبرت عنها المواقف الامريكية التالية :-

1- الطلب من حملة السلاح من العصابات الإرهابية التي تقتل على الهوية في سورية لزعزعة النظام بعدم تسليم سلاحهم للحكومة السورية وذلك ردا على بيان العفو العام الذي اصدرته وزارة الداخلية السورية في سبيل وقف العنف، وهذا الموقف لايمكن فهمه الا بالإصرار على الانحياز لصالح الارهاب ضد مصالح الشعب السوري في الأمن والأمان.

2- تصريحات المسؤولين الأمريكيين من الرئيس الى وزيرة الخارجية بطلب التنحي للرئيس السوري بشار الاسد وذلك برغم قيام الأخير بتفعيل الإصلاحات وإلغاء قانون الطوارئ والمباشرة بالحوار الوطني والشروع بانتخابات المجالس المحلية والتحضير للانتخابات النيابية والرئاسية في مطلع عام 2012 وهذه التصريحات تعبر عن توجه جديد يخالف ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول والاعتداء على كرامة الشعوب لاسيما وقد ظهر جليا نزول الشعب السوري بالملايين الى الشوارع والساحات مؤيدا للنظام ورافضا للتدخل الأجنبي.

والموقف العراقي من خلال الحكومة كان مبررا في عدم موافقتها على تجميد عضوية سورية في عضوية الجامعة العربية، وفي عدم قبولها المقاطعة الاقتصادية مع سورية لان ذلك يحمل ضررا للشعب السوري الشقيق والوفي مع الشعب العراقي وكذلك يحمل ضررا للشعب العراقي لتداخل شرايين التجارة والسياحة والانتقال المتبادل للمواطنين لأسباب كثيرة.

وقد اتضح موقف الحكومة المعبر عن مشاعر العراقيين من خلال تصريحات السيد رئيس الحكومة في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس الامريكي اوباما وذلك في رفض القبول بالمقاطعة الاقتصادية وكذلك رفض طلب التنحي للرئيس بشار الأسد، وهو موقف عقلائي يعود على العراق وشعب العراق بجملة خصائص منها:

1- احتفاظ الحكومة العراقية بموقف متوازن بعيدا عن الضغوطات الدولية غير المقبولة.

2- انتصارها لشعب شقيق هو الشعب السوري نحن مدانين له بالوفاء بعد ان خذله اغلب العرب.

3- احتفاظها بموقف هو اقرب للحق والقانون مما يعزز دورها في العلاقات العربية والإقليمية والدولية وهو دور يحتاجه العراق بعد ان غيب عن صناعة الموقف المستقل طيلة فترة الاحتلال وما قبلها.

وهذه الخصائص تساعد على بناء أرضية جديدة للحوار الوطني الداخلي في قضايا المصالحة الوطنية وحسم قضايا دعوات الأقاليم المتسرعة وإعادة كتابة الدستور لعراق ما بعد الاحتلال وتشريع نظام انتخابي جديد وانجاز قانون الأحزاب وانجاز ترشيح اعضاء المفوضية ومفوضية حقوق الإنسان وبناء الجهاز القضائي بما يتناسب وتطلعات المواطن العراقي في العدل، وإعادة النظر بقانون وانظمة مجالس المحافظات وقانون النفط والغاز وقوانين أخرى كثيرة تهم المواطن العراقي المحروم

لتكن المواقف الجديدة تمثل انطلاقة جديدة للبناء وتبادل الثقة وطوي صفحة المنازعات التي لم تجلب لنا سوى توقف عجلة الإنتاج على مستوى الحكومة ومؤسساتها وعلى مستوى القاعدة الشعبية التي ضاقت ذرعا بتلك التناحرات.

التعليقات معطلة