“فما يكذبك بعد بالدين” – قرآن كريم– سورة التين “7”.
“وان الدين لواقع” -قرآن كريم– سورة الذاريات “6”.
المركزية سياسة، والمركز تكوين، والتكوين مقدم على السياسة
الحوادث التي وقعت في الأيام الأخيرة في بعض مدن جنوب العراق وطالت مكاتب تنتسب الى مركزية تتخذ من الدين عنوانا، وهذه الحوادث لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، والمجتمع العراقي، والاجتماع الإنساني يواجهان تساؤلات كثيرة عبر أطوار حياته الاجتماعية والسياسية، ولكن أهم التساؤلات دواما وحضورا هي تساؤلات الفطرة، والفطرة تعرفت على العهد الديني قبل كل العهود التي يمكن ان تقع:
قال تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها”
وقال تعالى: ” ذلك الدين القيم”
وقال تعالى: “شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”
وقال تعالى: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”
ان أكثر الحوادث في تاريخ البشرية هي التي ترتبط بشكل من الاشكال بالدين على نحو الارتباط الصحيح او على النحو غير الصحيح.
ومن صور الارتباط الديني غير الصحيح مثل:
1- طريقة حج العرب في الأزمنة القديمة الى بيت الله الحرام تلك الطريقة التي اخذت من مصادر دينية مثل:
ا- الرسول
ب- النبي
ت- المحدث
ث- من ينقل عن الرسول والنبي والمحدث
ج- الى تنوع وتعدد وسائط النقل التي تختلف في درجة قدرتها على النقل بسبب تدخل عوامل الذات وطغيان عوامل النسيان والسهو والغفلة والمرض بنوعيه النفسي والجسدي، كل هذا أنتج لنا الناقلين بالصفات التالية:
1- ناقل صادق
2- ناقل كاذب
3- ناقل جاهل
4- ناقل منافق
ونتجت عندنا من الروايات التالية:
ا- الرواية الصحيحة
ب- الرواية غير الصحيحة
ت- الرواية الضعيفة
ث- ثم تعددت الروايات الى: مقطوعة، معنعنة، مرسلة، مدلسة
2- ظهور الاصنام عند مختلف الشعوب: حيث كانت تعبر برغم تعارضها مع اطروحة الدين عن الحاجة للدين كمركز تكويني تنجذب اليه النفوس.
3- ظهور الوجاهات القبلية والعشائرية والاجتماعية وتمحور بعض الناس حولها كان تعبيرا عن الحاجة للمركز، فظهرت المركزية.
4- ظهور السلطات الزمنية “الحكومات” كحاجة لأمن الاجتماع البشري وتنظيمه ، فظهرت المركزية التي نافست المركز التكويني فشاع الفساد وظهرت التناقضات، وحدثت الصدامات والصراعات والحروب، وتوسعت دائرة البلوى والمعاناة .
وهكذا ظلت البشرية تطحنها الصراعات، وتشغلها المعاناة، ويدوم شقاؤها، ولا تهتدي للحلول حتى اصبح البيت الشعري مصداقا لحالتها:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول
والعيس هنا في التعبير المجازي هم “البشر” والماء على المستوى نفسه من التعبير هو “الدين”.
فالدين هو الثابت من حيث العنوان والهدف والتكوين، وهو المتغير من حيث الحاجة والمناسبة ومشهد الحضور وطريقة التمثيل والتجسيد مثل:
1- الصلاة وأوقاتها: واجبها ومستحبها، تمامها وقصرها، جمعها، وافرادها.
2- الصوم وأنواعه: واجب ومستحب ونذر، توقيتاته المتوزعة على جغرافية الكرة الارضية.
3- الحج واقسامه وواجباته: والعمرة وتكرارها ايقاعا على اشهر السنة.
4- الجهاد بانواعه: الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، والاصغر وهو الجهاد الحربي.
ويبقى الغيب هو المدخل لفتح شهية العقول والنفوس لمعرفة الاسرار، وكشف غياهب المجهول، والغيب مساحة مقتصرة على مفاتيح مرجعية المركز الكوني” وعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو”
هذه الخصائص جمعيها هي التي تجعل من الدين مركزا يستقطب كل مشاعرنا، واليه تتجه حاجاتنا بما فيها: الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية، والنفسية، والصحية، والتربوية، والصناعية، وكل شيء.
ومركز يحتل كل هذه الابعاد ليس من الصحيح النأي عنه او التجافي عنه، او استبداله بما هو ادنى منه كما قال تعالى: “اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير”
فالأدنى هو الذي من اجله تجري الصراعات الحزبية، والاختلافات التي وصلت الى حد الاحتراب بين بعض المكاتب المنتسبة للدين، لا لشيء إلا لأنهم لم يفهموا الدين.
فالخواء الروحي والثقافي المنتشر عند الأفراد، والأسر، والهيئآت والمنظمات والاحزاب والعشائر والحكومات هي التي تستبدل الدين “المركز” بالمركزية المصطنعة للجاه والوجاهة والامتيازات التي تختفي بلمحة بصر “ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم” ، “فخسفنا به وبداره الأرض”.