الحزب حاضنة ولائية تنمو بسرعة وتموت بسرعة , كل الأحزاب البشرية تشيخ ثم تموت ؟ أصحاب المبادئ يقبلون بهذا الراي , لان المبادئ أيا كانت وخصوصا تلك التي تأخذ بوصلتها من السماء , تنظر إلى المصداق , وتتطلع إلى التكامل مع السنن الكونية , ولذلك هي تتجاوز الأسماء من خلال أطروحة ” العصمة ” التي تأتي بعد الاصطفاء وهو خيار رباني تتحقق فيه المصلحة البشرية التي تتقبل الاعلمية من خلال التجربة والملاحظة حتى يصبح اقترابها من مفهوم العصمة ممكنا على مدى الشوط الدنيوي رغم التأخر والتراجع هنا وهناك , ولكن لحظة الحسم المودعة في شروط العهد الرباني ” وإذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم , قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ” 

لحظة الحسم المنتظرة تطال الجميع ” يا أيها الناس إن زلزلة الساعة شيئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ” .

من هنا فان أصحاب المبادئ لا يتوقفون عند الحالات الآيلة إلى الزوال بالرغم من أخذهم حالاتها بالحسبان من باب التجربة ” في التجارب علم مستأنف ” كما يقول الإمام علي عليه السلام .

وبما أن الحزب كعمل سياسي تنظيمي آيل إلى الزوال حسب السنن الكونية في الاجتماع الإنساني طال الزمن أو قصر , وبما أن بعض الأحزاب قد تتعرض إلى عوامل تعجيل في ذبولها واضمحلالها , ولتلك الحالة أسباب يطول شرحها .

فليس من العقل والمنطق الإصرار على بقاء الحزب الذي استنفد مقومات بقائه في المنظومة الاجتماعية , لان الحالة هذه إن تحققت تصبح عبادة لعنوان ميت ومهجور , وهي بالتالي تشبه عبادة الأوثان مع الفارق بين الحالتين , لان حالة الولاء هذه تتحول من المبادئ إلى المظاهر الفارغة من المعنى والمحتوى , وهذه هي الحالة الحزبية التي تدعو إلى النزاع والصراع بدون مسوغ أخلاقي او شرعي , والمقتول فيها ينتمي إلى ما قتل عليه ؟

لان الإصرار على التمسك بالحالة الحزبية الفاقدة للمضمون المشخص عقلائيا أو من خلال بوصلة السماء هو إصرار من اجل كل من :-

1-  الجاه

2-  المنصب

3-  المنافع الشخصية

وهذه العناوين لا رصيد لها على المستويين :-

1-  الشرعي

2-  الأخلاقي

وإذا كانت المبادئ قد وجدت قبل الحزب , وهي ستبقى بعده حتما فان الرجوع إلى المبادئ هو ظاهرة حضارية تعارفت عليها الأمم والشعوب برغم نسبة التفاوت في ما بينها .

وفي الساحة العراقية أحزاب فقدت حيويتها واستنفدت تجربتها ولم يعد لديها مزيد من الجمهور , كما لم يعد لديها قدرة على تسويق شعاراتها , وهي بهذا المعنى أصبحت مصابة بالصنمية التي هجرها المجتمع الإنساني منذ آماد سحيقة وكرس أنبياء الله تسفيهها ولم يبق لها إلا بعض الشوائب في نفوس البعض تعزى إلى المرض النفسي .

ويتساوى في حالة ذبول وأفول الأحزاب كل من :-

1-  بعض الأحزاب الدينية

2-  بعض الأحزاب الليبرالية

3-  بعض الأحزاب اليسارية

4-  بعض الأحزاب القومية

وتحتاج مرحلة الخروج من قوقعة الأحزاب التي فقدت قدرتها على البقاء والاستمرار إلى خصال قيادية في بعض الأشخاص مثل :-

1-  أن يعرف عنه الصدق والأمانة

2-  أن يعرف عنه القدرة الفكرية والثراء المعرفي

3-  أن يعرف عنه تجرده من العمل لمصالحه الخاصة

4-  أن يعرف عنه الشجاعة في المواقف

5-  أن يعرف عنه السخاء في العطاء

6-  أن يكون قادرا على كسب تجمع بعض الثقاة من حوله

7-  أن يكون الظرف السياسي والاجتماعي مناسبا

والأشخاص الذين تتوفر لهم مثل هذه المواصفات يستطيعون الخروج من الآفاق الضيقة إلى رحاب المناخات المتجددة بالحيوية والعطاء .

وهؤلاء يستطيعون تغيير الأسماء والعناوين بل وحتى المضامين مع سلامة المبادئ ووضوحها .

والتجديد السياسي أصبح مطلوبا في الساحة العراقية ولكن بضوابط ومواثيق تلبي حاجة الناس , والتجديد السياسي لا يكون ذا مصداقية ما لم يكن مصحوبا بالتجديد الحزبي , فهل ذلك ممكن ؟

سنة الحياة تقول نعم

وسنة الاجتماع تقول نعم

 وسنة الكون منفتحة على الأحسن , والأصح , والأكمل , والاتم : ولا تنسوا قوله تعالى :” الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ”

تلك هي الأطروحة المتحركة التي ترفض الجمود الحزبي ؟

التعليقات معطلة