“في البدء كان العقل”:
“وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”.
وللعقل وظيفة هي:
1- قيادة الجسد المتحرك بالرغبة
2- قيادة العالم المتطلع للمعرفة
وللرغبة وظيفة مزدوجة هي:
1- إغناء المعرفة إذا حضرت مع العقل
2- إفقار المعرفة إذا تخلت عن العقل.
الرغبة هي:-
1- شعور
2- إحساس
3- ميل
ويجمع كل هذه: “الهوى والعاطفة” وهي المحرك وصانع الحدث بايجابياته وسلبياته “قال أراغب أنت عن آلهتي”.
والرغبة تطفو على سطح الحدث فتلونه بلونها، وسبب هذا الطفو هو ما تتمتع به الرغبة من خفة نوعية في مكونها باعتبارها إفرازا فسلجيا وظيفي لهورمونات الجسد.
والرغبة من متعلقات النفس، لذلك تتأثر بالمحيط وبلغة الفلسفة أي تتأثر من حيث البقاء لا من حيث الحدوث.
بينما يمتاز العقل بالثقل النوعي من حيث التكوين لأنه لا يتحرك مع حركة الهرمون فيصاب بالخفة كما هو في حالة الرغبة، لذلك لا يرصد في الحدث بعوامل الهوى والعاطفة الحاضرتان في الصخب والهرج والتدليك العاطفي وأماكنه معروفة.
وانما يرصد العقل من خلال:
1- التأمل
2- التدبر
3- التفكير
“قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى وتتفكروا ما بصاحبكم من جنة”.
والتفكر هنا يجمع: التأمل والتدبر “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب إقفالها” والتأمل والتدبر والتفكر هي مفردات العقل، وهذه العمليات الثلاث تحتاج إلى وقت ومن هنا كان حضور العقل في الحدث وافتعاله متأخرا عن حضور الرغبة ومفرداتها “الهوى والعاطفة” لا لقصور في العقل، فليس السبق والاستباق دائما يعبر عن الفائدة المرجوة، فسرعة الطلقة أسرع من مشي القاصد للخير، فالأولى أسرع للدمار والفناء والاحتراق، والثاني أبقى وأدوم للنفع والبناء والاستمرار.
وعلى ضوء هذا التفريق بين العقل والرغبة اختلف الفلاسفة في النظر لكل منهما والذين اختلفوا لصالح الرغبة نسوا: أن تعريف الفلسفة هو “نظم العالم نظما عقليا”.
فالفلسفة تنتمي للعقل الجوهر الذي لايتاثر بالمادة حدوثا وبقاء.
ولكن عندما تذهب الفلسفة مع الرغبة تكون قد تخلت عن مقومات الجوهر العقلي وتحولت إلى ضفاف وشواطئ النفس المتأثر جوهرها بالمادة بقاء، ومن هنا كانت القاعدة “إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي”.
وهذه القاعدة يلامسها العقل عند الجميع في لحظات التأمل والتدبر والتفكر، ولكن الفريق الذي ذهب مع الرغبة وتبناها لم يعد يمتلك المراجعة فغلبت عليه عناصر الحدث المشتعل بلهيب العاطفة والهوى، فأصبحت الرغبة عنده فوق العقل، وهذه جدلية استهلكت من البشرية كثيرا من حضورها في عدم اعمال معطيات العقل طبقا لمدركاته وانما أخذت من العقل حضوره في العلوم التطبيقية فكانت علوم الفضاء والاستنساخ وعلوم البيولوجيا والطب وفيزياء الكم التي اصبحت تقود العالم فكان الانترنيت وتقنيات الاتصالات المبحرة في فضاء الاثير المصنوع الهيا بمفهوم “ والارض جميعا قبضته يوم القيامة “ و”السماوات مطويات بيمينه “ .
ولكن فريق الانتصار للرغبة جعلوا من الانظمة السائرة برغباتهم وقادتها انصاف آلهة من حيث يشعرون او لا يشعرون، وعملوا على اخفاء مفهوم الإله الحقيقي في حياة الناس واكتفوا بلفظه سطحيا وغيبوه في تفكيرهم ونشاطاتهم ولذلك اصبحت الحرية عندهم رغم حضورها إلا أنها مهددة بالاحتضار من قبل كل من:
1- الإباحية التي تقوم على فلسفة تقديم الرغبة على العقل.
2- المثلية: التي اعتبروها من مفردات الحرية الشخصية، وهي تنطوي على تدمير التنمية البشرية التي سوف يكتشفونها ولكن بعد فوات الأوان.
3- الرأسمالية الاقتصادية: التي بدأت تزعزع النظام الاقتصادي الأمريكي والاوربي من خلال عدم قدرة النظام المصرفي على حفظ التوازن بين الطبقات الاجتماعية لاسيما في مسالة العقار والاستثمار.
ثم بدا الاهتزاز يصل الى التجربة الديمقراطية ثاني ثنائية أصحاب فلسفة تغليب الرغبة على العقل، فظهرت التجارب الديمقراطية التي نقلوها الى غيرهم مهزوزة غير متماسكة البناء وغير حقيقية مما جعلها غير جديرة بالاحترام لدى فئات كثيرة، وان كانت لم تستطع الخلاص من شرنقة فلسفة تغليب الرغبة على العقل بفضل حضور التقنيات العلمية التي تمثل انتصارا مؤقتا للقيادة الغربية التي تبنت فلسفة تغليب الرغبة على العقل والتي وجدت فيها المنظمات اليهودية فرصتها لجعل التوراتية وان بالظاهر عقيدة فريق تغليب الرغبة على العقل ونتيجة حصول هذه العقيدة عند فريق تغليب الرغبة على العقل اصبحت القضية الفلسطينية تواجه تعنتا في الامم المتحدة يميل دائما لصالح اسرائيل ويتنكر لمفردات العقل الذي يرى حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى وطنهم، وحق الفلسطينيين في ان تكون لهم دولة ممثلة في الامم المتحدة ولو بصفة مراقب، ان فريق تغليب فلسفة الرغبة على العقل يرفض إعطاء الفلسطينيين دولة ولو بصفة مراقب في الأمم المتحدة، مثلما يصر فريق غلبة الرغبة على العقل تطبيق حق الفيتو ضد أي قرار أممي ليس لصالح إسرائيل.
واليوم يقوم هذا الفريق بدعم إسرائيل في حربها ضد غزة المحاصرة بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وحق الدفاع عن النفس من ناحية مدركات العقل هو حق للجميع بما فيهم الفلسطينيين، وعند استحضار مفردات العقل سنجد ان حق الفلسطينيين يتقدم على حق الإسرائيليين الذين بادروا إلى اغتيال قيادي من حماس ثم اخذت طائراتهم تقصف مدينة غزة بلا رحمة.
وعدوى هذه الفلسفة القلقة انتقلت الى منطقتنا فكان الإرهاب ممثلا لفلسفة تغليب الرغبة على العقل من خلال كل من:-
1- اشاعة الكراهية: فأصبحت دولة إسلامية مثل ايران في نظرهم صفوية ومجوسية، وهو قول باطل يرفضه الشرع الذي يدعو الى تحكيم العقل والعقل السليم يقول ان الإيرانيين اليوم هم يدينون بالإسلام وليس بالمجوسية ويطبقون ولاية الفقيه وهي مفهوم اسلامي في الحكم قابل للنقاش وليس لديهم منهج صفوي كما يدعي البعض زورا، ومن منطلق هذه الكراهية فهم يعتبرون كل الشيعة من المجوس والصفوية وهذا منهج ظالم يبتعد عن المنهج العقلي السليم، وهذا الفريق استبدل العداء من حيث الرتبة لاسرائيل الى العداء لدولة الاسلام في ايران وهو منهج تحكمه الرغبة في الكراهية.
2- منهج التكفير: وهو منهج يعتمد الرغبة قبل العقل، فالعقل لايكفر الناس ولكنه يشخص الصح من الخطأ طبقا لمنهج السماء “قل تعالوا الى كلمة سواء”، والتكفير منهج وسلوك انتقامي لا يجعل صاحبه يفرق بين الناقة والجمل، وأصحاب هذا المنهج هم الوهابيون وتنظيمهم تنظيم القاعدة هو الذي يتبنى التفجيرات والمفخخات والأحزمة الناسفة في العراق ويصوبها اليوم إلى زوار كربلاء ومن يحتفل بعاشوراء، رغم فشل مشروعهم في العراق من حيث التسويق السياسي والاحتضان الاجتماعي ولم يبق لديهم سوى دعم الفريق الغربي صاحب فلسفة ومنهج تغليب الرغبة على العقل وبسبب هذا المنهج فشلت الثورة في سورية لأن الحضور الوهابي بكراهيته وتكفيره غير معالم التظاهرات السلمية والرغبة في الحرية والعدالة إلى رغبة في الانتقام الشخصي بحسابات طائفية ترفضها أغلبية الشعب السوري الذي عرف نوايا الفريق المعارض من خلال رفضه للحوار وعدم قبوله بمنهج الإصلاح الذي تبناه النظام ودعا اليه وطبق شيئا منه، ولكن حماقة الفريق الوهابي المستعين بالمرتزقة والأجانب افسد على الشعب السوري طريق الاصلاح وادخله في خندق التدمير رغبة في الانتقام وما دخول المسلحين في منازل المواطنين التي قصفت ودمرت بالرصاص والقنابل الطائشة وهذه الظاهرة في التدمير يتحملها من الناحية الشرعية والعقلية فريق المعارضة المسلحة التي تطالب بتدخل الاجنبي والتي تستجدي الفرنسيين والبريطانيين والامريكيين وهم من فريق تغليب الرغبة على العقل ورغبتهم في تدمير سورية والعراق والمنطقة واضحة لمن ينظر بعقل.