طلب مني بعض الأصدقاء من طلبة العلوم الدينية أن اكتب رسالة للأخ رئيس الحكومة الأستاذ نوري المالكي تتعلق بالشأن العام العراقي لما وصلت إليه الأمور من فوضى وفساد يضرب أطنابه في كل أرجاء الوطن حتى أصبحت الحكومة ملجأ للانتهازيين والمتملقين وبائعي الكرامة والسيادة الوطنية بثمن بخس.ولم أكن متحمسا لكتابة الرسالة : لا زهدا بالنصح ولا عجزا عن الموعظة, ولكن لعلمي بأن شيطان الكرسي وسحر المنصب استولت غوايته على نفوس وعقول الذين دخلوا سرادقات الحكم على عجلة من أمرهم يدفعهم احتلال ماكر ويغريهم عنوان قاتل, فلم يكونوا من أهل المراجعة, ولم يطلبوا المشورة, وتلك علامات الاستبداد والتفرد بالرأي الذي لا تحمد عقباه وقد وقع الذي وقع حتى عرفته الركبان وتحدثت به الصبيان .ونتيجة إلحاح ورجاء الأحبة من الذين ذكرت صفتهم وهم يتحرقون ويتأسفون لما يرونه من مخالفات, وضياع حقوق, وتجاوزات تدمي قلوب الغيارى والشرفاء، نزلت عند رغبتهم ورجائهم وكتبت الرسالة قبل عامين ولم ينعكس شيء ينبئ عن تفاعل وتقبل للمفاهيم التي حملتها الرسالة في الإصلاح والمسارعة لتلافي الأخطاء والثغرات والسعي لاسترجاع هيبة الدولة والحكومة من خلال إنصاف المواطنين ومكاشفة الشعب بما يجري من صالح او طالح, والعمل على قاعدة ” وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب” وهي القاعدة الذهبية لكل دولة ناجحة ولكل حكم صالح وعادل مستذكرين الآيات القرآنية المباركة :
” ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون”. ولأن الذي كتبت له الرسالة اعرفه من القارئين للقرآن ذلك هو رئيس الحكومة نوري المالكي, ولكنه ظهر جليا انه لم يترجم قراءته للقرآن بما يحفظ تاريخه في المعارضة, ولم يحفظ عنوانه المتدين عندما أصبح عمليا يتطلب منه ذلك. وفي هذا العام عاود الأصدقاء نفسهم طلبهم في كتابة رسالة ثانية, قائلين ربما لم تصل تلك الرسالة الأولى إلى يد السيد نوري المالكي مباشرة الذي أصبح مكتبه يغص بالموظفين من كل العناوين مما تسبب ذلك في تخمة وظيفية تعطل وتؤجل وتعسر ولا تيسر, وجوه مكفهرة, وابتسامات صفراء, ووجوه شاحبة تختزن الطمع وتسعى للجشع, وتسبب للمراجعين : اليأس والوجع .
وتحت ضغط رجاء وأمنيات أخوية صادقة: كتبت رسالة ثانية هذا العام على طريقة قول الشاعر :-
وما أنا إلا من غزية إن غوت …. غويت وان ترشد غزية ارشد ؟
ولكني اشترطت على الإخوة أن يتم تسليم الرسالة بيد الأخ المالكي مباشرة. وتعهدوا لي أن يتم ذلك, ولكني قلت لهم: ومن يسلم الرسالة مباشرة ؟
قالوا : احد المقاولين.
وراحوا يشرحون لي مقدار حظوة هذا المقاول عند السيد نوري المالكي حيث قالوا:
هذا المقاول يدخل على رئيس الحكومة متى شاء، ويقضي معه وقتا غير محدود ولما يشاء.وقلت في نفسي: أسفي عليك يا نوري .أنت اليوم رئيس وزراء العراق وفي هذا الظرف الصعب والمعقد, وتحاط بأعداء كثيرين, وخصوم أكثر أنت صنعتهم بسبب سوء حاشيتك ورداءة من هم حولك وشخص مثلك لا يتاح له رؤية عائلته كما يجب .كيف تسمح لمقاول يدخل عليك متى يشاء, ويأخذ من وقتك – الذي هو وقت للشعب الذي منحك الأمانة – ما يشاء لا ما تشاء أنت وتبقى المشيئة لله وحده ،وهنا عرفت أسباب الفساد ومنافذه ووسائله ومادته .وعندما عرفت أن هذا المقاول ذهب إلى عمان الأردن مغاضبا بسبب انكشاف أسرار بعض الصفقات, أسرع لترضيته معمما أصبح ملاصقا للسيد نوري المالكي منذ توليه رئاسة الحكومة, وهذا المعمم يتصل بنوري المالكي بعلاقة قديمة تمتد إلى أيام اللجنة الجهادية في حزب الدعوة الإسلامية والتي عمل فيها دعاة مخلصون سلموا ثقتهم بمن لم يكن أهلا للثقة من حيث الكفاءة والخبرة, ولذلك كانت خلية العبور إلى الداخل العراقي مخترقة من قبل المدعو ” ابر حوراء سميسم ” مما تسبب باختفاء دعاة مجاهدين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بربهم واخلصوا لقضيتهم قضية معاناة الشعب العراقي ولم يكونوا يعلموا أن من يقودونهم ليسوا أهلا للقيادة, وما كان مخفيا في تلك الأيام الخوالي ونبهنا على ضعفه وفشله في وقت مبكر مما جعل البعض يرمينا بالتطرف بالرأي لأنني كنت كما قال الشاعر:-
وحذرتكم أمري بمنعرج اللوى …. فلم تستبينوا الأمر حتى ضحى الغد
أقول وما كان مخفيا في تلك الأيام كشفته مظاهر الحكم هذه الأيام على القاعدة القرآنية ” هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا “. وكان الفشل اليوم ضاربا بأجرانه يتقدمه بعض المعممين من الذين تركوا رسالة الدين وتحولوا إلى تخرصات الطين على مستوياته في الحمى المسنون والطين اللازب, والمعمم عندما يركض وراء أبواب وعناوين السلطة يتنازل عن صفة العلم والعلماء, والحاكم الذي لا يقف على أبواب العلماء يلتحق بسلطة زمنية ولاتها معاوية ويزيد والحجاج والسندي بن شاهك ومن كان يأخذ خمس أفريقيا غصبا ومن كان ينثر اللؤلؤ والياقوت على رأس المأمون يوم زفافه على بوران .والمعممون من هذا الطراز هم عنوان الفشل في الحزب وفي المنظومة الاجتماعية وفي الحوزة وفي الحكم .وعندما يجتمع المقاولون والمعممون من الصنف الذي بينا مواصفاته والتي لا تعمم على كل المعممين الذين فيهم المؤمنون الأتقياء من الذين حافظوا على مفهوم ” العمائم تيجان العرب ” والذين كان في مقدمتهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي رحل من هذه الحياة وهو لا يملك شيئا من حطام الدنيا وهو من ترك ثروة علمية غيرت نظرية المعرفة البشرية عبر نظرية التوالد الذاتي في كتابه ” الأسس المنطقية للاستقراء .
وعبر رسالتين كتبتهما للسيد نوري المالكي لا لشيء سوى للنصح والموعظة قبل أن يقع في عواصف الفضائح التي لا ترحم, وقد بان شيء منها هذه الأيام, ويظل ما كتبته معروفا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, وان أهملها السيد نوري المالكي أو تغاضى عنها , فان من يعلم الجهر وأخفى , ومن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سيكون حكما ونعم الحكم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقد اعذر من انذر .