لا أحد يرضى على شكله أبدا، والدليل تزايد إمبراطوريات التجميل والتقويم ومعاهد العناية بالوجه والبشرة وتنوع انتشار محال بيع وعرض أدوات ومواد الماكياج والمساحيق والمرطبات في كل زاوية من زوايا عالم اليوم- وربما الأمس القريب والبعيد-، منذ أيام (الدريم.. والحناء والكحل العادي..والطين خاوة) وصولا الى (ماركات) لا تعد و لا تحصى من مساحيق الاعتناء بالبشرة لفرض لغة وهيمنة الجمال، ولعل أطباء التجميل هم الأكثر دخلا من بين باقي الاختصاصات الأخرى، رغم أن الجمال لا يمنح للمرء الى الابد، وحسب زعم مقولة الكاتب الفرنسي(ستندال)..(الجمال وعد بالسعادة)..فأن العبارة تضيق وتتسع تبعا لزوايا النظر اليها كلا حسب نظرته لعمق وأهمية هذه النعمة الربانية.
كتبت عبر بريدي الالكتروني -قبل أسابيع قليلة- رسالة أخبرت فيها القاصة والروائية المواظبة والمجتهدة في نسج عوالم قصصها وروايتها بهدوء نملة وذكاء نحلة (ميسلون هادي) لإخبارها بصدور مجموعة شعرية لي موجهة للأطفال حملت عنوان (ساعي البريد) عن دار ثقافة الأطفال منتصف هذا العام، واملي ايصال نسخة منها اليها،فردت(أم يزن) علي بكلمات شعرت بأنها أرادت الهمس بأذن تقول فيها: (سأنتظر ساعي البريد على دراجته الهوائية… لقد مضى عمر كان فيه الجمال أقوى من الديكتاتورية…ولكنه الآن يقاوم من أجل البقاء في زمن يسمونه…زمن الحرية!).
لعل كلمة أو معنى الجمال، كانت تعني كل شيء يريحنا أو يدعو الى الاعجاب أو يحفز العين للتمعن والنظر فيه، وكل ما من شأنه ان يسعد ويريح جميع الأحاسيس عبر منجم العقل والتفكير بعمق أهمية العدالة والحب الصادق والسلوك القويم.
في جانب من مذكراته المعنونة (أحلام أبي) يروي (باراك حسين أوباما) تفاصيل صورة لمشهد يلخص عقدة الإحساس بالجمال مقرونا بالبشرة البيضاء دون السوداء من (جماعته) كونه من أب أفريقي (كينيا) ومن أم أمريكية، يتجاذب في ذلك المشهد الجمال نحو معايير الشكل واللون والسحنة في لغة التمييز العنصري التي كانت سائدة في بلاده قبل نصف قرن وأكثر، وقبل أن يرتقي هو أعلى منصب سياسي يتقلده رجل أسود في أقوى وأعتى دولة في العالم، فقد كان (اوباما) قد تتطلع في صباه، في تفاصيل صورة مكبرة ليدي رجل مسن تلقى علاجا كيميائيا لتغيير لون جلده، هربا من جحيم الظلم وتقربا من ضفاف الجمال (الشكلي) حتى ظن (اوباما-طبعا) بادئ الامر ان ذلك الرجل يعاني من مرض عضال، لكنه حين قرأ الشرح المرفق مع الصورة، تبين أنه اراد انتحال رجل أبيض، معتذرا الى ما وصلت اليه الحالة النهائية لذلك العلاج اللعين ونتائجه الكارثية،على حد تعبير الرئيس الامريكي الحالي، في سطور تلك المذكرات التي نشرت منها جريدة (الوفيغارو) الفرنسية فصولا مهمة من تلك المذكرات.
لكن ما يبقى…في نهاية نفق مطاف حسم أمر الجمال وشأنه الحقيقي والجوهري خلاصة راسخة تتسامى برسم معادلة تفيد: بان الأكثر جمالا … هو الاكثر عدلا، أليس كذلك.. يا جماعة الخير.