عمر الجفال
تتمحورُ الوثيقةُ التي أصدرها مؤخراً معهد واشنطن تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للبنتاغون: آسيا والشرق الأوسط» حول احتمالات المواجهة مع إيران ومصداقية الولايات المتحدة في المنطقة، حيث تدشّن الوثيقة بهاجس الخوف على مصالح الولايات المتّحدة الحيوية المتمثلة بالنفط، وتستعرض تاريخ تعرّض هذه المصالح إلى تهديدات جديّة منذ عهد الرئيس نيكسون حين فرض العرب حظراً على شحن النفط إلى الغرب إبان حرب تشرين عام 1973 وحتى عهد الرئيس بوش الابن حيث تتناول هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو كل من أفغانستان والعراق وما شكّله على مصالح الولايات المتحدة الحيوية، لتصل إلى التساؤل الأخطر: ماذا لو قامت إيران بشنِّ حملة سريّة لمضايقة الملاحة الدولية في الخليج بدلاً من غلق مضيق هرمز؟
ترجح الوثيقة التي وضعها مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد مايكل آيزنشتات، «إن الولايات المتحدة حينئذ مستعدّة لتنظيم مواكب حماية كما فعلت في نهاية الحرب بين إيران والعراق» حين تطوّرت الهجمات بين القوتين لتشمل شحنات النفط من أجل الضغط الاقتصادي على العدو وتجفيف موارده المالية المساهمة بتغطية فواتير صفقات الأسلحة التي استلزمتها حرب الثمان سنوات بين البلدين.
وتستمر الوثيقة بطرح عدد من التساؤلات التي تؤشر بشكل غير مباشر إلى تورّط القوّات الأميركية في مستنقع الشرق الأوسط بالتزامن مع ازدياد اهتمام السياسة الأميركية بأوربا وتقول: «ماذا لو قام حزب الله بمضايقة سفن التنقيب عن الغاز وأرصفة الإنتاج قبالة ساحل إسرائيل، بما يؤدي إلى قيام توترات أو حتى مواجهة صريحة؟ وماذا لو قامت تركيا بدعم حزب الله -لأسباب انتهازية- على سبيل المثال، نَيْلِ حظوة لدى العرب ووخز إسرائيل وقبرص»؟
هذا التلميح الذي تشير إليه الوثيقة حول تلاقي مصالح تركيا وإيران إقليمياً، قد يؤدي إلى تقويض دور الولايات المتّحدة الأميركية في المنطقة، لاسيما وأنها فقدت الكثير من مصداقيتها إثر تخلّيها عن أقدم حلفائها في المنطقة خاصة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مما جعل أصدقائها لا يثقون بها وقد يبحثون عن حلفاء جدد أقل قوة منها، لكنهم أكثر مصداقية في تحالفاتهم منها، كما ولد هذا الوضع الجديد شكلاً من أشكال كسر حاجز الخوف عند الكثيرين من أعدائها، هذا الوضع الجديد قد لا يترك هامشاً قتاليّاً للقوات الأميركية حتى لو نشبت حرب المسافات الطويلة بين إسرائيل وإيران في حال قامت الأخيرة بضرب المفاعلات النووية الإيرانية التي ستقابل بقصف صاروخي إيراني للمدن الإسرائيلية ، لا يرجِّح أكثر المتابعين تفاؤلاً، إن إسرائيل قادرة على تحمل نتائجها، وبذلك فإن الوثيقة تؤكد أن الجيش الأميركي قد يجد نفسه «متورّطاً في عمليّة إجلاء غير قتالية وإغاثة إنسانية، أو حتى عمليات مستهدفة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يقوم به بالفعل في اليمن»؛ وفي إشارتها لإمكانية الردع التي اعتمدتها سياسة واشنطن تفيد الوثيقة أن «إن محاربة الإرهابيين ومواجهة المتمردين في فترة دامت حتى الآن عشر سنوات ومرور أكثر من عقدين من الزمن منذ نهاية الحرب الباردة قد أوهنوا العزم الأميركي على الردع» مما حدا بها إلى اعتماد سياسة الردع بالحرمان إثر تراجع إمكانياتها للردع بالعقاب.