تميل معظم المفاضلات بين الفترات والمراحل، إلى الفترة أو المرحلة السابقة، على حساب الفترة أو المرحلة اللاحقة. قد يكون أمراً مفزعاً أن تجد في العراق مثلاً، الكثير ممن عاش فترتي الحكم الملكي والجمهوري، ممن يتغنون بفترة الحكم الملكي، ولاسيما في ما يتعلق بمستوى الأمان ومستوى المعيشة. ولم تشفع قوانين الإصلاح التجاري التي حررت الفلاحين من عبودية الإقطاع، أو قوانين السكن التي مهدت لبناء أكبر مدن بغداد كثافة سكنية، لإنصاف الفترة الجمهورية. والسبب ببساطة، كما يخبرك هؤلاء، أن فترة الجمهورية الأولى، والتي تسمى فترة عبد الكريم قاسم، شهدت تناحراً سياسياً وصل في بعض فصوله إلى إراقة الدماء، وهو ما لم تشهده فترة الحكم الملكي التي تميزت بنموذج ديمقراطي هيمن عليه رموز الثراء والوجاهة الاجتماعية، مثل كبار التجار وشيوخ العشائر ورجال الدين بمعزل عن السواد الأعظم من أبناء الشعب، المكتفين بالخبز والأمن والقماش الأسمر الذي توزّعه الدولة بموجب بطاقات التموين.

وبلغة سياسية بسيطة، يمكننا القول، أن أخطاء مرحلة التحرر الوطني قد أكلت منجزاتها في التحرير والتنمية الاقتصادية والبشرية، وخسرت الكثير من النقاط في المفاضلة بينها وبين المرحلة التي سبقتها.

ويبدو أن التجربة تعيد إنتاج نفسها اليوم، فرغم أجواء الفرح التي تسود الأوساط الشعبية بنجاحات الثورات الشبابية العربية وإسقاط رموز الأنظمة الشمولية، إلا أن قدراً كبيراً من التوجس يسود هذه الأوساط، بعد أن فقدت جزءاً كبيراً من أمنها الشخصي.

معهد غالوب أجرى استبياناً للرأي وجد فيه أن نسبة المصريين، ممن قالوا إنهم يشعرون بأمان أثناء السير وحدهم ليلاً، في المدينة أو الضاحية التي يقطنون بها، انخفضت إلى 47 في المئة من 82 في المئة قبل الثورة، ووجد أيضاً تراجع مفهوم الأمان بدرجة كبيرة، وفي الفترة ذاتها، في كل من تونس وبنسبة 29 في المئة، و27 في المئة في البحرين، علاوة على اليمن، حيث لم يكن الاختلاف شاسعاً وبلغت نسبته 5 في المئة، وهو ما رجحه الاستبيان إلى شيوع حمل اليمنيين للسلاح.

وخلص الاستبيان الذي أعده «المحلل «هتش ايه هيللر، إلى أنه بغض النظر عما إذا كانت تصورات السكان بشأن السلامة والأمن صحيحة أو مستندة إلى تجارب حياتية واقعية، فهناك تداعيات خطيرة محتملة لذلك على كل من هذه البلدان.

وشارك ما لا يقل عن ألف شخص في كل من الدول المشمولة بالاستبيان، بهامش خطأ ما بين 3.3 و 3.9 نقطة في المئة، زيادة أو نقصاناً.

ألا تدعو هذه النتائج للقلق؟

محللون غربيون يعترفون بحجم القلق الذي يسيطر على شعوب هذه البلدان، ويذهبون أبعد من ذلك، حيث يحذرون من أن الشعوب التي لم تصلها رياح التغيير بعد، بدأت تميل إلى مهادنة الأنظمة والقبول بحزمة الإصلاحات، خوفاً من إرهاصات التغيير التي ستفقدها الأمن الشخصي والاجتماعي، مثل ما هو جار الآن في البلدان التي شهدت التغيير.

على مستوى تجربتي الشخصية، لم أحمل هويتي الشخصية طيلة أحد عشر عاماً قضيتها في دمشق، لأنني لم أصادف أن طولبت بها من قبل أحد، رغم العمل بقانون الطوارئ، فدمشق كما هو معروف من أكثر مدن العالم أمناً، لكن حين هبت رياح التغيير، وتم إلغاء العمل بقانون الطوارئ، وجدتني لا أستطيع السير في شوارع دمشق من دون أن أحمل بطاقتي الصحفية وكرت الإقامة السنوية مشفوعين بجواز السفر، لأن نقاط التفتيش انتشرت في معظم شوارع المدينة.هل هي ضريبة التغيير؟ ربما.. ويبقى للشعوب الحق في الاختيار بين الأمن وقبول الأنظمة الشمولية، أو الإطاحة بتلك الأنظمة ودفع الثمن من هذا الأمن ولو… بصورة مؤقتة.

التعليقات معطلة