ما الذي يجري في الخليج العربي.. وأين العراق مما يجري الآن..؟ وقبل ذلك وبعده ما هي قراءاته لما يجري..؟المتحقق عمليا.. ان العراق مبعد جغرافيا وسياسيا وجيوسياسيا، ولا علاقة لسلطة او نظام او حاكم في هذا الإبعاد، بل هو انتصار لمجموعة من الدويلات بمساعدة وتحريض من عدة جهات تباينت وتنوعت حسب الأوضاع السياسية والزمان. ففي العهد الملكي، لم يكن من الممكن إقامة اي نوع من أنواع العلاقة بالخليج الا عبر بريطانيا التي كانت تسيطر سيطرة كاملة وتامة على شاطئي الخليج، وكانت ايران في ذلك الحين هي العراب وهي الوكيل المنفذ لما تريده بريطانيا وتأتي بعدها السعودية وكان الصراع بين النفوذين السعودي والإيراني يسخن ويبرد حسب تطور الأوضاع في كلا البلدين، غير انه لم يسمح له في أن يتحول إلى صدام مكشوف. وعندما انتهت المعاهدات البريطانية مع دول الخليج، التي كانت تسمى “محميات” في بداية العقد السابع من القرن الماضي، كان العراق يخضع لحكم شمولي وظيفته رفع الشعارات الفارغة والخطابات الزائفة دون أي إدراك لأهمية وجود العراق المنافع والفوائد على إيران والسعودية والكويت والإمارات وقطر وعمان، واستبعد العراق من كل اللقاءات والتنسيقات والتعاون بين الدول المتشاطئة عليه حتى عندما طرحت فكرة انشاء مجلس التعاون الخليجي، فان العراق كان في فورة الصخب الدعائي الفارغ.. وتقول مصادر سعودية مطلقة إن الملك فهد رد على بعض أمراء خليجيين حذروه من اشعار الحكومة العراقية بنية دولهم في انشاء مجلس التعاون الخليجي، انه يعرف ان صدام حسين ليس من ذلك النوع الذي يفهم اهمية وضرورة خطوة من هذا القبيل على مستقبل العراق في المنطقة وقال: سأبلغه وانا عارف تماما انه سيتجاهل هذه الخطوة واعرف مقدما ان مالديه من غرور سيجعله غير قادر على الموضوع للدراسة والبحث والتمحيص.
ذلك التشخيص السعودي، صحيح جدا.. فهم يعرفون صاحبهم حق المعرفة، وعندما جرى اختباره ليكون الأمر النهائي في العراق المظلوم، كانوا يدركون انه الرجل المناسب لقيادة العراق في مسالك التيه والظلام وضياع الحقوق وهدر الكرامات.. ولم يكن يعنيهم ما ظهر به من غطرسة وتجبر وغرور فارغ، كان المهم لديهم ان هؤلاء اجراءاتهم وترتيباتهم تتم بعيدا عن رأي العراق وعلى نحو يستجيب فقط لمصالحهم الحيوية للعراق في الخليج وفي مقدمة ذلك المياه الاقليمية العراقية الذي تحولت الى نهب منهوب حيث توسعت كل من الكويت وايران في مياههما الإقليمية على حساب العراق، بالطبع كان الحديث يدور على استحياء احيانا وبلا مقومات واسس احيانا اخرى بين العراق وبين جارتيه حول المياه الإقليمية العراقية الضائعة ويأتي الجواب في العادة.. اين كنتم..؟ وفي بعض الاحيان ليس هناك شيء ما يستحق الغضب او تحويل القضية الى قضية ساخنة فهي لا تعدو أن تكون مياه وبعض الاسماك القليلة.. ولا احد يتطرق الى ما تحت القصر من “بلاوي”. لقد ظل الشغل الشاغل لدويلات الخليج هو ابعاد العراق وقد جاءتهم حرب الخليج الاولى بابا مفضيا الى تحقيق حلم “خليج بلا عراق” ودخل العراق مقصلة الحرب الدامية مع ايران لثماني سنوات عجاف، استنزفته الى ما تحت الصغر، وما ان خرج منها مترنحا حتى دفعته سيناريوهات هوليوود الخليجية الى مزبلة العنجهية في حرب الخليج الثانية ليوضع في سلة المهملات لولا ان يأتيه الخلاص بـ”وداوها بالتي هي الداء”.
من الواضح ان الطبيعة الطبوغرافية لقاع الخليج والمتكونة من مجموعة كبيرة من الأخاديد والمترفعات والتي تسمى “اخوار” حيث يقال مثلا خور عبد الله وخور الزبير وخور العمية وخور خفجه وغيرها كثير هي في الواقع مسالك للابحار والخطوط الملاحية بأعماق مختلفة تتراوح ما بين 30 -110 أقدام، وبذلك فهي تسمح بابحار البواخر والناقلات النفطية وبغواطس متباينة تتراوح حمولتها من 30 الف برميل الى 300 الف برميل ولا يصلح قاع الخليج المتبقي لاي عمل سوى لصيد الاسماك واللؤلوء بيد أن الكويت وايران والسعودية والإمارات وغيرها. بدأت بعمليات مسح وكشف وتقييم لقاع الخليج بمعزل عن العراق الذي فقد خور عبد الله بكاملة بموجب قرار الأمم المتحدة المرقم 833 وما ترتب على اتفاقية 1975 الذي تنازل فيها العراق عن نصف شط العرب.
إن نظرة سريعة لما يجري الآن في الخليج، تضع العراق امام حقيقة مؤلمة خلفتها اعمال وافعال حكومات عراقية تعاقبت في حضيض الجهل والغباء والمظهرية الفارغة فأضاعت حقوقا وأهدرت مصالح لحساب الآخرين وللنظر الى الآن بحسرة وألم الى الآخرين وهم يشمرون عن سواعدهم ليل نهار لاستغلال حقول نفطية في مياه الخليج فهذه ايران تواصل العمل في حقل “درة” الذي تسميه إيران حقل “أراش” وهو حقل يقع في المياه المشتركة بين الكويت والسعودية وايران وهي اصلا مياه لأربع دول وليست لثلاث الا انهم فضلوا ان تكون مقسومة على ثلاثة “السعودية وايران والكويت” وقد وقعت الدول الثلاث على اتفاقية تنظم عملية الاستفادة من هذه المياه في عام 2000 وقد اعترض العراق على ذلك ولكن دون أن يكترث احد لهذا الاعتراض، ومن يهتم لاعتراض دولة منبوذة مطرودة منهوبة منكوبة بقادتها وبحكومتها.
إن إجمالي التقديرات الأولية للطاقة الإنتاجية للحقول البحرية الخليجية تشير إلى أكثر من 1923 ترليون قدم مكعب وان ايران وقطر يتبوآن المركزين الثاني والثالث بعد روسيا وهذا يكشف طبيعة ونوعية وحجم الصراع الدائر الان بين ضواري وحيتان وكواسح خليجية في الواجهة، وعالمية اميركيين واوربية واسيوية للحصول على ما يمكن الحصول عليه من كعكة الغاز والنفط الخليجي بعيدا عن العراق المحصور في ممرات مائية حفظها له موانئه النفطية التي هي الفضيلة الوحيدة التي يمكن ان تذكر وهي: ميناء خفجه وميناء العمية والعائم، وما بين هذه الموانئ توجد احتمالات قوية بوجود حقول نفطية وغازية ينبغي الاسراع في وضع الأسس الكفيلة بحفظ حقوق العراق فيها وفي غيرها والبدء وعلى نحو عقلاني ببحث الأمور مع الجوار بوضوح لا يقبل اللبس او الغموض واعتبار تلك الامور من القضايا التي ترقى في الأهمية الى درجة اعتبارها من المصالح العليا.
ذكرنا ذلك من اجل توضيح الأساليب التي اتبعت من اجل إبعاد العراق عن الخليج وبعض الأهداف المبيتة خلف ذلك، رغم ان ذلك لا يحتاج الى قدر كبير من المعرفة التفصيلية الشاملة والمبحرة في عالم الاسرار والخفايا، فرفض دول الخليج قبول العراق عضوا في مجلس التعاون الخليجي، رغم أنهم اعلنوا قبول اليمن والأردن والمغرب وهذه دول غير خليجية..؟ وهم يعرفون قبل غيرهم ان الخليج ما كان يوما لغير العراق، فهو خليج البصرة وما زالت الوثائق التركية تحمل البصمة العثمانية التي ورثت بدورها، ما كان معروفا في ايام الدولة العباسية وما كان لرحلة كلكامش، الا ان تعمد مسار الخليج في الرسالة العراقية للعالم وهي تحمل كل قيم ومثل الحضارة البشرية بكل عطاءاتها.
لم يخف أعضاء المجلس مشاعرهم غير الودية اتجاه العراق، حيث جاء الرد الخليجي في عام 2008 رافضا قبول العراق عضوا في المجلس رغم ان الحوار في حينها كان يدور حول موضوع الأمن الإقليمي من خلال مؤتمر عقد في البحرين عام 2008 وبحضور وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس وبإشراف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره في لندن وقد فاجأ الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية برفض المجلس قبول العراق عضوا فيه وعلل السبب في ذلك بعدم توفر عدد من الشروط التي يضعها المجلس لانضمام الدول اليه والمتمثلة بضرورة ان تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في البلد المرشح انضمامه مشابهة للأوضاع في الدولة المكونة للمجلس وتنضوي تحت عبارات العطية الكثير من المتاهات والغموض وعدم الوضوح، وكأنه بذلك اراد ان يقول: ان من يحكم العراق ليس من النوع الذي ترضى عليه او تقبل به دول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص اذ ليس من المعقول منطقيا أن تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في بلد ما تتطابق من حيث الطبيعة التكوين ودرجة التطور والنمو والتوجه والأيدلوجية مع بلد اخر واذا كان ذلك امرا ضروريا فأين التطابق بين دول عربية تكون جامعة الدول العربية؟ بل اين التطابق بين ما عليه السعودية وما عليه سلطنة عمان او الاتحاد الإماراتي الفيدرالي او الكويتي؟ ثم اين التطابق بين كل اعضاء مجلس التعاون وانظمة الأردن والمغرب وهما من دول الألمعية السياسية والاقتصادية خصوصا المملكة الأردنية الهاشمية التي انطلقت من تحت الصفر وتواصل انطلاقاتها اعتمادا على ما لديها في كفاءة ومقدرة وإخلاص، وليس اعتمادا على ما يهبها النفط والغاز من عطايا وهبات بلا حساب تجعل الحجر ينطق ولكن ليس في بلدان الحقد والكراهية.
ان الحقيقة المؤكدة والناصعة كالشمس، تؤكد اهمية وجود العراق في اي تجمع او تكتل خليجي وعدم وجوده يشكل خللا كبيرا في التوازن الإستراتيجي في المنطقة يعمل ويفعل بالضد من المصالح الحيوية للدول الأعضاء في المجلس، ولا تغير من هذه الحقيقة محاولات إبعاد العراق جغرافيا عن الخليج من خلال بعض الممارسات الصبيانية على مستوى سرقة أشبار وأمتار هنا او أميال هناك فالتاريخ يؤكد والحضور الستراتيجي الذي لابد له من ان يجد طريقه عاجلا او اجلا على ارض الواقع تجعل امكانية الالغاء او الإبعاد، غير ممكنة على الارض باي حال من الأحوال، وهذا ما اكدته الكثير من الدراسات الإستراتيجية فالعراق أحدى اهم رئتين يتنفس الخليج منهما: الاولى : العراق والثانية بلاد الشام. ولا يمكن باي حال من الاحوال الا ان يصح الصحيح ويتلاشى الخطأ في مجاهل الجهل وقصر النظر، فالعراق ما كان يوما على مدى التاريخ، يحتاج لدول الخليج باي شكل من الاشكال، ذلك ان العراق دولة متكاملة ونموذجية من كل مستلزمات قيام الدول، ولديها الكثير من عناصر الاعتماد على الذات ومعينها الذي لا ينضب تاريخ عمره أكثر من ستة آلاف سنة، يشهد أن العراق كان طوال الوقت قبل ظهور النفط ملاذا آمنا لشعوب الخليج العربي ودوله..لقد شكلت الاسباب والدوافع غير الإستراتيجية، خلفية الرفض الخليجي للعراق، وفي مقدمة الأسباب القراءة الطائفية، حيث اعتمدت على خارطة طائفية تشكل واقعيا سياسيا وهميا وتبسيطا، ليس لأنها خارطة شكلتها مصالح وغايات واهداف لا تمت للمنطقة بأدنى صلة وهي مصممة لان تنتهي لضياع حقيقي ومؤكد.. والمثير حقا للدهشة ان معيار القراءة الطائفية لخارطة المنطقة السياسية تكاد تكون حكرا على العراق، فرغم كل ما يقال وما يحدث من احتقانات في العلاقات الخليجية الايرانية، فان العلاقة بين الطرفين مازالت جيدة وتمر بين حي وآخر بحالات صفاء لا تتأثر الا عندما تزداد الضغوط الامريكية والاسرائيلية عليهم.. ولعل حضور احمدي نجاد الرئيس الإيراني الحالي، للقمة الخليجية في العاصمة القطرية، الدوحة في 2007 خير دليل على ما تتمتع به العلاقات الإيرانية الخليجية من جوانب اعتبارية مقدرة من قبل دول الخليج العربية.. وحتى عندما احتجت الامارات على ايران بسبب زيارة نجاد لجزيرة ابو موسى، فان الدول الاخرى دست رؤوسها في الرمال وكأنها لم تسمع ولم تر ولم يغير من هذه الحقيقة بعض الاعتراضات الخجولة.
بالطبع لابد من أن ننبه الى حقيقة تلك هي ان العراق كان ومازال لا ينظر الى اية عملية تطوير لمجلس التعاون الخليجي، بريبة او خشية او توجس، فالعراق لا يعتبر وجود المجلس وجودا عدوانيا يستهدف أمنه او مصالحه الحيوية، غير أنه يرى أن وجود المجلس وما يترتب على هذا الوجود أمورا تخص العراق وتعينه بشكل او بآخر مثلما يخصه اي موضوع اخر له صلة بالمحيط الذي يعيش فيه العراق ويتعايش، وتأسيسا على ذلك فليس معقولا أو مفهوما ان يكون هناك عمل جماعي أو جمعي لعدد من الدول، في محيط يخص العراق ويتعلق بمصالحه الحيوية وهو غير موجود ولا رأي له فيه ولعل مسألة البيئة واحدة من بين اهم القضايا التي ينبغي ان يكون له فيها رأي ودور ووجهة نظر.
الذي ينبغي ان تعيه دول الخليج، هو ان تتفادى ان تكون كما كان صدام حسين يتبنى مبدأ رفض التعاون لأنه لا يفهم الأمور إلا من زاوية الحكم والتحكم في الآخر المخالف، وان تدرك حقيقة ان العراق ووفق التحليلات وما يدور خلف الكواليس السياسية اخذ بدور مستقبلي رغم صعوبة الظروف المحيطة به، وتكريسا لهذه القراءة، جاء المشروع الكويتي الواعد بقيام إطار تعاوني لدول شمال الخليج، في محاولة لتبني كتلة دولية خليجية تطل من خلالها المنطقة على انفتاح اقتصادي وسياسي يحمل الخير للجميع ويعرض للعالم متنفسا جديدا لنشاط اقتصادي وإجماعي وسياسي واعد، وما عقد قمة بغداد إلا دليل آخر على ما ينتظر العراق في المستقبل من مهمات كبيرة على الصعيدين الدولي والاقليمي. وبعيدا عن كل شيء، لابد من أن نتساءل بوضوح وصراحة، هل ثمة بديل عن التعاون مع العراق..؟ هل في وسع احد إلغاء وجود العراق..؟ نعم البعض يراهن على التقسيم.. وهذا رهان قاصر غير ناضج،، لعدة أسباب منها مثلا:
اولا: التقسيم لا ينهي الوجع العراقي الذي تشكو فيه دول الخليج بنسب متفاوتة. وذلك لان الجزء الجنوبي من العراق هو الجزء الذي يسبب هذا الوجع استنادا لخرائط الخليج الطائفية وهذا الجزء سيكون الأقوى عندما تتهيأ له فرصة الابتعاد عن مشاكل التعددية الدينية والمذهبية والاثنية.
ثانيا: ان التقسيم يخلق ظروفا كارثية في مجال سقوط قدسية الخرائط السياسية للدول التي انبثقت قبل وبعد حرب العالمية وتنظم واقعها معاهدات سايكس بيكو وساند ريمو، ثم يالطا ومالطا وغيرها بعد الحرب العالمية الثانية، وسيفتح ذاك أبوابا تتسلل منها قوى التغيير في ربيع يمتد باتجاهات مختلفة تغرق ببحور من الدماء.
وثمة من يراهن على استمرار ضعف العراق واستنزاف قدراته بتوترات وأزمات داخلية وخارجية لتغذية هذه الأزمات بجروح ملتهبة تتناسل فيها القيح وتتبدد الثروات وتهدر الطاقات وتضيع الفرص!! فيما يراهن اخرون على حرب اهلية طاحنة ويقودها (الأكراد والشيعة والسنة) ونتائجها الدمار والخراب.. ومن اجل ذلك تبذل الأموال وتحاك المؤامرات وتجند الخبرات.