د. مظهر محمد صالح 
التقيت في الأسابيع القليلة الماضية شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى من بلاد مازالت ظلال أشجارها هي ستار السلام  والتقدم في جنوب الكرة الارضية. فجلس الرجل الى جانبي وازدحمت في رأسه خواطر ربما بدأها عن بلاده التي تنعم بالسعادة قائلاً:انه من المحزن الا نذوق شيئاً من السعادة نحن جنوب الأرض طالما شمال الأرض في حروب و لا نريد للشيطان ان يرحمنا في هذه الدنيا.ثم ضحك الرجل ضحكة باردة وقال لي انتم بلاد تنتج النفط الخام وهو مادة هايدروكاربونية(سوداء) تحتل نسبة من صادراتكم بنحو 97بالمئة ،ثم أردف ونحن ننتج حليب الأبقار  وهو مادة بروتينية (بيضاء)ونصدر مانسبته 70 بالمئة من احتياجات العالم من الحليب الجاف.قلت له اذن نحن كلانا من بلدين تنطبق عليهما نظرية إنتاج المواد الخام   في تفسير النمو والتقدم الاقتصادي.أجابني بلا تردد،نعم .فالحليب هو الغذاء الأول للإنسان منذ ولادته والذي به وحده  يترعرع بدنه وينمو جسمه ويشكل وحدة متكاملة للغذاء. أجبته مثلما ان الحليب الخام الأبيض أساس نشأة الإنسانية، فالزيت الخام الأسود الذي يصدره العراق إلى العالم هو أساس  الطاقة الحديثة ومحرك مهم لدواليب الصناعة  التي تسهم في سعادة الإنسان الذي يتغذى على حليب بلادكم .فضحكنا معا ضحكة  لاحت في عيني ضيفي من خلالها سيماء الكدر واطرق متفكراً مغتماً وهو ينال من صفاء نفسه ويتأسى على شجرة السلام في بلادي التي حاول الارهاب النيل من خيراتها وبركاتها .وأحسست عند ذاك ان يده اليسرى أخذت تتلمس بأسى راحته في يده اليمنى وتقبض عليها وربما لتقبض على أنامله الباردة وتمنحها حرارة ودفئاً بان العراق منتصر لامحالة. حدثني الرجل قبل ان يغادرني ان الجالية الوطنية العراقية في نيوزلاندا ،التي يبلغ تعدادها بنحو 35الف مواطن، يمثلون جميعهم بحق قوة أخلاقية ومشروع نجاح للأمة النيوزلاندية وهو نجاح في الوقت نفسه للأمة العراقية.فرحت كثيرا وقلت له انهم من اهل العراق وانهم مفخرة بلادي القاطنين في جنوب العالم وهم موضع اعتزازنا ومحبتنا.ودعتُ الرجل ،وانا أتطلع إلى مستقبل مزدهر للعراق وشعبه.ولكن صدمت قبل أيام  بسبب الدراسة التي نشرتها جامعة جورج واشنطن مؤخراً حول من هي أكثر دول العالم تطبيقاً للدين الإسلامي.اذ كان القياس هو مدى انعكاس القيم الدينية على سلوك الناس ومعاملاتهم ،وان أنموذج التقييم والقياس قد استمد من قول الرسول (ص):إنما الدين المعاملة …. وإنما بعثت لآتمم مكارم الأخلاق.فكانت النتيجة ان احتلت نيوزلاندا المرتبة الأولى في العالم من حيث الصدق والأمانة والإخلاص في التعاملات بين الناس وفي الواجبات والحقوق والتسامح والتراحم والإحسان والرفق والمودة والعلم والعمل .وللأسف جاءت البلدان النفطية جميعها في المراتب المتأخرة  في تلك الدراسة. هنا توقفت بعد ان ارتسمت على شفتي ابتسامة باهتة وأخذت اهرس يدي لأطمئن  نفسي بان النفط والحليب هما حقاً من دين واحد… ولكنهما يختلفان في اللون والطعم والرائحة والثمن….!!!.
(*) المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي

التعليقات معطلة