تُواصل السلطات الفرنسية مداهماتها في إطار التحقيق في الاعتداءات الإرهابية التي ضربت باريس مساء الجمعة، في ظل مخاوف من اعتداءات جديدة مع الكشف عن هوية “العقل المدبّر لهجمات باريس” واعتقال 23 مشتبهاً فيهم.
وقال مصدر قريب من التحقيق الفرنسي إن أصابع الاتهام تتّجه إلى البلجيكي من أصل مغربي عبدالحميد أباعود، الموجود حالياً في سوريا، بأنه “العقل المدبّر” للهجمات ولـ”اعتداءات مزمعة في اوروبا”.
وكانت إذاعة “ار تي ال” الفرنسية نقلت عن الاستخبارات البلجيكية اشتباهها في أن أباعود “هو المموّل والمدبّر لهجمات باريس”، وكان على اتصال مباشر بالانتحاريين الذين نفّذوا هجمات الجمعة.
وأشارت القناة إلى أن أباعود، البالغ من العمر 28 عاماً وهو من ضاحية مولنبيك في بروكسل، حارب في صفوف تنظيم “داعش” في سوريا، حمل كنية “ابو عمر سوسي” بعدما أضحى أكثر جلادي التنظيم وحشية.
وسبق للاستخبارات البلجيكية أن لاحقت تحرّكاته حتى اختفائه في اليونان في وقت سابق من العام الحالي.
وفي شباط الماضي، أجرت مجلة “دابق” الالكترونية التابعة لـ”داعش” مقابلة مع اسلامي بهذا الإسم تفاخر فيها أنه سافر عبر أوروبا من دون أن ترصده قوات الأمن لتنظيم هجمات وشراء أسلحة.
كما ورد اسم أباعود أيضاً في عدد من وسائل الإعلام العام الماضي، كشقيق أكبر لطفل عمره 13 عاماً غادر بلجيكا ليُقاتل في سوريا.
وتظهر صورته في عدد من أشرطة الفيديو الدعائية لـ”داعش” على الإنترنت، حيث يظهر في أحد هذه الأشرطة وهو يقود سيارة تسحب أربع جثث نكّلت بها مجموعته المتطرّفة.
كما حدّد المدعي العام الفرنسي، فرانسوا مولان هوية انتحاريين آخرين، شاركا في هجمات باريس أحدهما يُدعى سامي عميمور، وهو فرنسي في الـ28 من عمره ولد في درانسي شمال باريس، وكان معروفاً لدى أجهزة مكافحة الارهاب منذ العام 2012 بعدما حاول السفر إلى اليمن، وصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية منذ العام 2013 لدى اختفاءه.
وأفادت أسرة عميمور بأنه ذهب إلى سوريا في العام 2013.
وبالنسبة للانتحاري الثاني، فشرح مولان أن بصماته تُطابق بصمات رجل سجّل اسمه في اليونان في تشرين الأول الماضي، مضيفاً أن جواز السفر يحمل اسم “أحمد المحمد المولود في إدلب في سوريا 10 ايلول 1990، لكن هناك أوجه تشابه بين بصمات الانتحاري وبصمات رُفعت خلال إجراءات في اليونان في تشرين الثاني”.
وفي إطار حال الطوارئ، أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف توقيف 23 شخصاً وفرض الإقامة على 104 آخرين وضبط 31 سلاحاً خلال مداهمات على نطاق واسع ليل الاثنين.
إلى ذلك، حذّر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس من “اعتداءات جديدة قد تضرب فرنسا ودولاً أوروبية أخرى خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة”، مشيراً إلى أن أكثر من 150 عملية دهم نُفّذت على الأراضي الفرنسية واستهدفت الأوساط الإسلامية منذ الجمعة.
وقال فالس لإذاعة “ار تي ال”: “سنعيش لوقت طويل في ظل هذا التهديد .. وعلينا أن نستعد له. نعلم أن هناك عمليات كان يجري وما زال يجري تدبيرها، ليس ضدّ فرنسا فحسب بل كذلك ضد دول أوروبية أخرى”.
وأكد فالس أن اعتداءات باريس “نُظّمت ودُبّرت وخُطّط لها من سوريا”، مبرّراً بذلك الغارات المكثّفة التي شنّتها مقاتلات فرنسية الأحد على الرقّة معقل “داعش” في شمال سوريا.
وقال: “هذه الحرب ضد داعش يجب أن تجري أولاً في سوريا والعراق. هناك أيضاً ما يجري في ليبيا إذ أن داعش .. متمركزة وتتمركز هناك. لذلك أقول إن هذه الحرب ستكون حرباً طويلة وصعبة”، داعياً الفرنسيين إلى “ضبط النفس وتوخّي الحيطة والحذر”.
وقال: “لا يُمكن لداعش أن تنتصر في هذه الحرب علينا، لكن هذه المنظمة الارهابية تسعى إلى إضعافنا وتفريقنا… إلى جعل الفرنسيين ينقسمون بعضهم على البعض الآخر”، معتبراً أنه “من الضروري أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على وحدتنا”.
إلى ذلك، تبحث الحكومة الفرنسية في جلستها المقبلة، قراراً بطرد “المتشدّدين” وحلّ المساجد “التي يبثّ فيها الدعاة الكراهية أو يحضّون عليها”.وأعلن وزير الداخلية الفرنسي برنارد كازنوف، عبر تلفزيون “فرانس 2” ، أن “حالة الطوارئ هي أن نتمكن بطريقة حازمة وصارمة من أن نطرد من البلد أولئك الذين يدعون للكراهية في فرنسا، سواء كانوا منخرطين فعلاً أو نشتبه في أنهم منخرطون في أعمال ذات طابع إرهابي”.
وأضاف أن “هذا يعني أيضا أنني بدأت أخذ إجراءات بهذا الصدد، وسيجري نقاش في مجلس الوزراء بشأن حلّ المساجد التي يبثّ فيها الدعاة الكراهية أو يحضّون عليها، كل هذا يجب أن يُطبّق بأكبر حزم”.
كما ذكر الوزير أن الحكومة أقرّت “زيادة كبيرة جداً لإمكانيات” أجهزة الاستخبارات حتى قبل هجمات الجمعة، لا سيما مع “خلق 1500 وظيفة” و”تخصيص حوالي 233 مليون يورو” وتوسيع صلاحيات هذه الأجهزة من خلال “إجراءات تشريعية جديدة”، مؤكداً أن “هذه الحرب ستنتصر فيها الجمهورية الفرنسية والديموقراطية بسبب القيم التي نحملها والحزم في تنفيذ أفعالنا”.
ودعا الوزير الفرنسيين إلى “مواصلة الحياة لأن الإرهابيين يريدون إخضاعنا بالرعب، إنه رفض العيش كما فعلنا حتى اليوم بنموذج حضارتنا وحبنا للحرية والثقافة والعيش معاً”.
وفي بلجيكا، شنّت الشرطة عملية جديدة على نطاق واسع، صباح الاثنين في حي مولنبيك في منطقة بروكسل الذي انطلق منه عدد من المشتبه فيهم في اعتداءات باريس.
وانتشر عدد كبير من عناصر الوحدات الخاصة الملثّمين الذين ارتدوا سترات واقية من الرصاص حول مبنى يلتقي عنده شارعان في منطقة سكنية في مولنبيك.
ووجّهت الشرطة نداءات عدة عبر مكبر الصوت إلى السكان لإخلاء المكان. كما فُرض طوق أمني واسع ومُنع الصحافيون من الاقتراب. ونشط عناصر من الإطفاء وفرق إزالة الألغام.
وأوضحت النيابة العامة البلجيكية أن السلطات قامت بمداهمات وعمليات توقيف منذ السبت في هذا الحي الشعبي الذي يُقيم فيه عدد كبير من المهاجرين.
وكان مسؤول كبير في الحكومة التركية أعلن، أمس الاثنين، أن السلطات في بلاده حذّرت باريس مرتين في غضون عام من أحد “الجهاديين” الذين فجّروا أنفسهم مساء الجمعة في اعتداءات باريس من دون أن تتلقّى رداً.وقال المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن الشرطة التركية “أبلغت الشرطة الفرنسية مرتين، في كانون الأول 2014 وحزيران 2015” عن أحد مهاجمي مسرح “باتاكلان” عمر إسماعيل مصطفاوي، مضيفاً “لم نحصل أبداً على ردّ من فرنسا حول هذه القضية”.وشرح المصدر أن ا تركيا تلقت في تشرين الأول 2014 طلباً للحصول على معلومات من فرنسا بخصوص أربعة “جهاديين” مشتبه فيهم لم يتضمن اسم الانتحاري في باريس.
ومع ذلك، أجرت تركيا تحقيقاً حوله لأنه كان مرتبطاً بالمجموعة التي تستهدفها الأجهزة الفرنسية، وفقاً للمصدر.وقال المسؤول التركي ان الانتحاري دخل الاراضي التركية في العام 2013 من جهة محافظة ادرنة (شمال غرب) على الحدود البلغارية واليونانية، لكنه أكد “ليس لدينا سجلاً لمغادرته البلاد”.وأضاف: “فقط بعد اعتداءات باريس، تلقت السلطات التركية طلباً من فرنسا للحصول على معلومات حوله”.