وإذا كانت التظاهرات في الماضي تنتهي بالانقلابات، فان تجربتنا في العراق اليوم ليس مكتوبا لها أن تنتهي بالانقلاب. لان معالم التغيير الذي استقر على التداول السلمي للسلطة والذي فتح حاضنات لهذا التغيير عبر الانتخابات، وتنظيم المحافظات والأقاليم عبر مجالس للحكم والإدارة محلية أصبحت هي المتنفس لكل احتقان يواجه العملية السياسية فرغم كل الأخطاء التي وقعت في هذه التجربة وستقع في المستقبل، إلا أن الانقلابات أصبحت مستبعدة لما أصبح لدينا من خصوصية منفتحة على استيعاب التجديد والتغيير، فتتغير الأسماء والمواقع وتبقى الهياكل التنظيمية تنتظر من يعطيها رونقها وجاذبيتها للجمهور. وهذه من الاستنتاجات التي نحرص عليها من خلال قراءة الحوار والتظاهر قراءة معرفية.

والتظاهر حق رعته السماء قبل ان ترعاه الأنظمة المستحدثة قال تعالى: “لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط” والقسط هو العدل، وعدم تحقق العدل هو ما يجعل ظهور الاعتراضات والاحتجاجات مسألة شرعية ومطلبا يتصل بالحق، وقال تعالى عن كتابه الكريم: “وبالحق أنزلناه وبالحق نزل” وقال تعالى: “إن هذا القران يدعو للتي هي أقوم” والأقوم هو الأصلح والأتم والأحسن قال تعالى: “الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه”. والذي يتبع احسن القول هو من يكون محاورا ناجحا، ولا يكون متظاهرا الا بعد ان يستنفذ كل الحجج والأساليب، واذا تظاهر فانه يكون متوازنا لا يبغي في مطالبه، ولا يجور على الآخرين، والذين تظاهروا باسم الحكومة في ساحة التحرير يوم الجمعة الموافق 10|6|2011 كان لهم الحق في التظاهر سواء على قضية الجناة الذين ارتكبوا مجزرة عرس الدجيل عام 2006 أو لقضايا أخرى حتى لو كانت مساندة للحكومة كما يرونها فان ذلك حق لهم، ولكن أن يقوم البعض منهم بإلحاق الأذى ببقية المتظاهرين كالضرب المبرح والوخز بالالات الحادة كما وقع فعلا والذي شاهدناه عبر شاشات الفضائيات، فانه امر لا يمكن قبوله، وعلى السلطات الحكومية ان تلاحق الجناة ومن سولت له نفسه بذلك وربما لم تكن الحكومة على علم وهذا ممكن من باب الاحتمالات، والحكومة كان المطلوب منها المسارعة الى التنديد بذلك العمل، وتوجيه الطلب إلى الجهات المختصة معاقبة من قام بذلك العمل المخل بالروح الوطنية والإخاء العراقي المتوحد على هوية الوطن. وسكوت الحكومة يلقي الشك في ساحتها ويجعلها طرفا في صناعة المشكلة.

والتظاهر الذي أجازته السماء، اقره الدستور العراقي وما يقره الدستور يحتم على الحكومة توفير مستلزمات حمايته.

والتظاهرات يجب أن تؤدي مهماتها بوقت قصير، لأنها تعطي تنبيها للحكومة على وجود خلل ما او نقص في الأداء او خطأ اصبح مزمنا، والحكومة والبرلمان من واجباتها التعاون لدراسة مطالب المواطنين والسعي لتحقيقها، حتى لا يترك المتظاهرون في الشارع لا يجدون جوابا، ولا يشعرون بالعلاقة المتواصلة بين المواطن والدولة، وهو عقد اجتماعي تحرص عليه الدول والأنظمة الديمقراطية والشوروية، لان التظاهرات اذا تكررت وطال امتدادها فانها تكون مفتوحة للتدخلات من بعض الانتهازيين، او بعض الاطراف التي لا تريد خيرا للبلد واهله وهذه النماذج موجودة في العراق اليوم ومنها العناصر الارهابية والعناصر التي افلست في تجربتها المخربة للاجتماع العراقي. ثم ان اطالة مدة التظاهرات يكلف الدولة كثيرا من الجهد والوقت مثلما ياخذ من وقت الناس ويعطل بعض الاعمال وهذا ما لايجب التساهل فيه وعدم تقديره تقديرا لا يترجم الحرص على الوطن والمواطن.

ثم ان ظاهرة التحريض التي تمارس ضد المتظاهرين من خلال تورط البعض بالاعتداء على المتظاهرين يؤدي الى خلق العداوة والثارات بين المواطنين وهذا مما يفسد الاجتماع العراقي.

وحق التظاهر مارسه فتية اهل الكهف عندما ضاقوا ذرعا بالملك الظالم فقال عنهم تعالى: “نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدى” -13- الكهف

والتظاهر والاحتجاج قبل ذلك مارسه النبي إبراهيم عليه السلام ضد عبادة الأصنام والخضوع للطواغيت، فقام بتحطيم الأصنام وترك فاسه معلقا برقبة كبير الأصنام، وطلب من قومه الرافضين لعمله ان يسألوا كبيرهم من هو الذي قام بتحطيم الأصنام إن كانوا ينطقون.

والاحتجاج مارسه احد الشعراء عندما كان المجتمع منغمسا بعبادة الأصنام، وهذا الشاعر عندما وجد من يبول على رأسه من الحيوانات فقال شعرا   احتجاجيا فقال:-

ارب يبــــــول الثعلبان برأسه

لقد ذل من بالت عليه الثعالب

والاحتجاج والمعارضة للسلطان الظالم بشخص فرعون مصر مارسه النبي موسى عليه السلام قال تعالى: “وجاء رجل من اقصا المدينة يسعى قال يا موسى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج اني لك من الناصحين” -20- القصص

“فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين” -21- القصص.

والحوار، والاحتجاج والرفض هي الأطروحة التي مارسها الأنبياء من اجل الحق، فأعطوا الحوار لغته الإنسانية وبعده الحضاري: ولنستمع إلى نماذج من تلك الحوارات التي خلدها التاريخ ولا زلنا بحاجة الى قراءتها قراءة معرفية لما فيها من علاج حقيقي لمشاكلنا التي تكاثرت علينا فأصبحنا ينطبق علينا قول الشاعر:-

كالعيس في البيداء يقتلها الضما

والماء فوق ظهورها محمول

ولنستمع الى اخص واحرج قضية من قضايا الحوار التي لا تستنكف ان تقف على أطراف الحوار حتى وان كان غريبا ومستهجنا وهو ما جرى مع اللوطية في ذلك العصر، قال تعالى: ” اذ قال لهم اخوهم لوط الا تتقون – 161 الشعراء

اني لكم رسول امين – 162- الشعراء، فاتقوا الله واطيعون -163- الشعراء، والحديث هنا مع لوطية هتكوا الحرمات وتجاوزوا على الاخلاق وسنن الاجتماع، ولكن النبي لوط يحدثهم ويحاورهم بروح الاخوة والنصح، والصبر، وليس كما يجري عندنا اليوم حيث يتم التعامل بعجرفة وتعالى مع استعمال البطش ووسائل التخويف والمصادرة، مع عدم الاستماع للرأي الآخر حتى وان كان محقا، فضلا عن كونه مطلبا من مطالب الناس العادلة، وما جرى في مؤتمر حقوق الانسان ما كان يجب ان يحدث. ثم لنستع الى ما جرى من حوار بين النبي لوط عليه السلام وبين المنحرفين من قومه وما كانت النتيجة: قال تعالى: ” وما اسالكم عليه من اجر ان اجري الا على رب العالمين – 164- الشعراء، اتاتون الذكران من العالمين – 165- الشعراء، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل انتم قوم عادون -166- الشعراء، قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين – 167 – الشعراء، قال اني لعملكم من القالين -168- الشعراء، رب نجني وأهلي مما يعملون – 169-

هذا هو سمو الحوار الذي جسده النبي لوط مع اشد الحالات السلوكية واغربها والتي ينغلق معها كل حوار. ولكن النبي لوط عليه السلام لم يضق ذرعا بالحوار كوسيلة حضارية للتواصل رغم العنت والصلف الذي مارسه قومه، فاستحقوا عقاب السماء.

ومن اطاريح الحوار الخالدة ما جسده رسول الله “ص” مع أسرى قبيلة طي عندما حاربوا رسول الله ووقعوا اسرى في قبضة جيش المسلمين بقيادة رسول الرحمة محمد بن عبد الله وكانت من ضمن الاسرى ” سفانة بنت حاتم الطائي ” فلما راها علي بن ابي طالب قال لها: اذا جاءكم رسول الله فاطلبي منه شيئا. فلما زار رسول الله الاسرى متفقدا لهم، قالت له سفانة بنت حاتم الطائي: يا رسول الله مات الوالد وذهب الوافد وأنت خير من يرتجى. فقال “ص” لها: انت طليقة حرة لوجه الله. قالت: وعشيرتي يا رسول الله. قال “ص” وعشيرتك طلقاء لوجه الله. قالت: يا رسول الله أعطني شيئا افتخر به بين العرب. قال “ص”: لك مابين الجبلين من ابل وغنم. قالت هذا كثير يا رسول الله. قال “ص”: هكذا أدبني ربي. انظروا ما أنتجه الحوار عندما تكون الأطراف متمكنة معرفيا من لغة الحوار، رغم كون الحالة تمثل حالة متميزة بالحراجة المستعصية وجدانيا عند البعض عندما يكون الأمر متعلقا بواقعة حربية تعبر عن التمرد والرفض لدين الله. ولكن رسول الله بخلقه الرباني العالي حول القضية من عسر المطالب وصعوبة الحل إلى سهولة الالتقاء والتواصل بمحبة وصدق نحو البناء للنفوس وحسن استعمال النصوص.

ومن الجميل والمناسب أن نختم بموقف حوارية رسول الله “ص” مع الكافرين الذين قال الله عنهم: “إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون – 6- البقرة

وهؤلاء الكافرون كان حوار رسول الله “ص” معهم كما نصت على ذلك سورة ” الكافرون ” قال تعالى: ” قل يا ايها الكافرون * لا اعبد ما تعبدون * ولا انتم عابدون ما اعبد * ولا انا عابد ما عبدتم * ولا انتم عابدون ما اعبد * لكم دينكم ولي دين *”

وهو وضوح في الموقف بدون لف او دوران، وهو تشخيص للاخر على ضوء المعرفة المتكاملة عقلا ونصا، لان العقل والنص، او النقل والعقل، هما تكامل في خط التنمية البشرية للمعرفة، وليسا اشكالية كما يذهب البعض الى ذلك، ومن هنا فان الدين والسياسة يتكاملان مع بعضهما بفعل الضرورة التي جعلت من الدين هو الحاضنة الموجهة للسياسة، والسياسة هي المشروع البشري الباحث عن التكامل عبر اطروحة السماء، ولان الدين ضرورة كونية، والسياسة ضرورة بشرية، والكوني هو الاصل، والبشري هو الفرع، وما كان فرعا في الحياة فحاضنته كونية ” وجعلنا من الماء كل شيء حي ” والانسان من تلك الاشياء الخاضعة لقانون ” كن فيكون ” والمعنية بقاعدة “وان عدتم عدنا” والمقصودة بمفهوم “هو الذي في السماء اله وفي الارض اله” والإنسان كائن ارضي فهو مشمول بغطاء الإلوهية التي قالت: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك، وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”.

وحواراتنا عندما تنطلق من هذا الفيض المعرفي، والفهم الانساني، فاننا نتمكن من صناعة مناخ حضاري يكون جاذبا للآخر لا طاردا.

وعندما تنطلق تظاهراتنا وهي مفعمة بتلك الروح المنفتحة، فاننا نصنع منها مدرسة تختصر علينا الوقت والجهد، وتظهرنا بغير ما نحن فيه اليوم من التنابز بالالقاب، وفقدان الثقة الذي يقودنا الى ابطال العملية السياسية وتخريب الوطن الذي يعاني كثيرا مما هو اقرب لهذا المعنى.

هذه القراءة المعرفية للحوار والتظاهر نقدمها عربون وفاء للوطن الى كل من يجد في نفسه تطلعا لمثل هذه الرؤى سواء كان في الحكومة او البرلمان، او الكتل السياسية والاحزاب، والشخصيات الوطنية والنخب الثقافية والفكرية، والى كل المنابر الاعلامية من فضائيات واذاعات ومجلات وصحف، وستكون صحيفة المستقبل العراقي حاضنة للاراء التي تجد في نفسها توقا للتواصل حول مشروع الحوار بمنطلقاته المعرفية المنتظمة في هذه الدراسة.

التعليقات معطلة