يحدث لي في مرات متعددة ان أصادف شخصا ما، فأشعر بحرج شديد حين يطلب مني بعد ترحاب حار أن أحزر المكان الأول الذي تعارفنا فيه، فتخونني الذاكرة وحين تتقد فجأة أقول له مازحا ألم نلتق في النمسا، فيضحك ويقول: نعم في فينا صدام حسين…!.

هذه هي كلمة السر التي كنا نحل من خلالها شفرة الذاكرة، وكنا نرمز فيها لحاكمية المخابرات واسمها الرسمي مديرية التحقيق والتحري في جهاز المخابرات والتي أطلق عليها مراسل السي ان ان الشهير بيتر أرنت بالسفينة البيضاء لان شكلها الخارجي يشبه السفينة الغارقة تايتانك والتي طالما استقبلت في جوفها عشرات الآلاف من الأبرياء الذين حاولوا التفوه بكلمة أو ممارسة نقد عابر لسياسة النظام أو ربما لسرد وقائع لحلم وجد النظام بأنه يمس أمنه وسلامة قائده الضرورة فتركوك تنام من دون سلام في هذا المكان الذي يحول الأحلام إلى كوابيس والأحياء إلى أموات والصاحين إلى مرضى بالشلل والفقرات والسكر والشرايين وضغط القلب والخوف المزمن من كل المدن والحارات والزنقات فيصبح الإنسان ملاحقا غريبا في وطنه بل وسط أسرته وهو في عزلته مع نفسه، ومحظوظا من لا يصاب بعد ذلك  بالكآبة والجنون وهو يتذكر أيام الإنس في فينا الحاكمية سيئة الصيت وكل الهول البشري الذي كان يحدث فيها…!

ولعل خير من يروي حكايتها هو زميلي في المعتقل والذي كما يحب ان يسميها بدلا من فينا ستار أكاديمي صدام حسين، انه طارق صالح الربيعي الذي يمثل لوحده قصة متكاملة تعد نموذجا صارخا لتعذيب الإنسان وسقوطه في فخ المعتقل مع زميله وصديق عمره المهندس عريم نتيجة وشاية من شخص حقير وحاقد وجد له الآن برغم فعلته السوداء موطئ قدم في وزارة الصناعة من دون حياء أو خجل  وقدر قليل من الندم…!

 عن ستار أكاديمي العذاب كتب الربيعي مذكرات مثيرة تستحق القراءة أطلق على الجزء الأول منها في (ضيافة الوحش)، ووضع للجزء الثاني الذي لا يقل إثارة عنوانا من (باب البيت إلى بوابات الجحيم) وهذه تسميات صريحة لمشاهد الموت والتعذيب في جهاز المخابرات والمذكرات مليئة بالقصص والحكايات يرويها الرجل ليخلدها في ذاكرة الناس وهو لا يبغي مكافأة من احد مهما كان، ولا ينشد مجدا أو عضوية في برلمان وكرسيا لوزير برغم انه يستحق وأمثاله كل هذه المواقع بامتياز وشرف لما تحمله من فصول مرعبة في مدينة الجحيم، بل الهدف الأسمى الذي يسعى إليه ان يتذكر الناس هذه الغمة كي لا تتكرر المأساة وتنتهك مجددا حقوق وحرية وكرامة الإنسان العراقي، لأن الربيعي وأمثاله مازالوا يعيشون فقط من اجل رؤية عراق حر عزيز قوي موحد كامل السيادة يفتخر الآباء والأبناء بهذه الولادة ويقدسون هذا الانتماء لتحول بوابات الجحيم لبوابات سعادة واستقرار وتحول أموال النفط مدن العراق إلى فينا حقيقية مليئة بالمحبة والمسرات والليالي الملاح. فهل سينجح قادة العراق الجدد ونخبه السياسية بتحقيق هذا الحلم أم ان فشلهم سيفتح لنا مجددا بوابات الجحيم ويعيد إلينا ليالي الإنس في فينا مكافحة الإرهاب لنعيد تصوير حلقات جديدة من ستار أكاديمي العذاب بطبعته الديمقراطية الجديدة والتي تشرف على إخراجها أحزابنا الوطنية وتنتجها هذه المرة شركات هوليوود بالاشتراك مع الشركات الأمنية والميليشيات الوطنية….. تحية للربيعي الذي خصص وقتا طويلا من عمره لتدوين مذكراته وانفق عليها من ماله الخاص كي لا ننسى أيام العذاب، والأهم كما يقول ان لا ننسى العراق وحلم إعادة تأهيله وطنيا لنفاخر فيه كل الدنيا ولا نخيب أمل الشهداء والذين قدموا التضحيات من اجل صورة جديدة لعراق يمتد فعلا لماضيه العريق ويحيا حرا في حاضره السعيد.

التعليقات معطلة