تميزت العشائر العراقية منذ زمن بعيد بتعاملها الإنساني الرفيع مع الناس، وهي اليوم من أروع رموز النخوة والشهامة والمعاملة الحسنة، لكن البعض القليل من أبناء العشائر ابتعدوا للأسف الشديد عن السنن الإنسانية الشائعة، وتمردوا على القيم العربية الأصيلة، حتى جاء اليوم، الذي وقعوا فيه فريسة لعنجهيتهم وطغيانهم وظلمهم وجهلهم، وركبوا الفوضى حصانا جامحا يمتطونه لسلب حقوق الناس والاعتداء عليهم، ففي ليلة ملتهبة من ليالي الصيف الماضي، وبينما كانت الطاقة الكهربائية مقطوعة كعادتها، كان أطفال القرية يلهون في الباحة القريبة من بيوتهم، فوجدوا جرذا كسولا أضل طريقه الى مكب القمامة، طاردوه من زقاق الى زقاق، ومن سكة الى سكة، حتى طغى ضجيجهم على سكون القرية، واثار صراخهم فضول ابنة الشيخ، التي هرعت لفتح باب بيتها، لترى ما الذي يجري في الخارج، وما ان شرعت بفتح الباب حتى قفز الجرذ بوجهها محاولا ولوج الدار هربا من بطش الأطفال، فسقطت ميتة في الحال من شدة الفزع، استشاط الشيخ غضبا لموت ابنته، وخرج هائجا متسلحا ببندقيته المشحونة بالعتاد، كان الشر يتطاير من عيونه، تبعه أبناء عمومته بالهراوات والمطارق، فاحكموا حصارهم على الأطفال، الذين كادوا يموتون من الخوف تحت أقدام الشيخ المجنون. .
صاح الأطفال بصوت واحد: لقد خرج الجرذ القاتل من بيت (مردان ابن محيسن)، فانطلق الشيخ وجماعته باتجاه بيت (مردان) وأمطروه بوابل من الرصاص، كان هجوما متهورا من جانب واحد، لم تقع اية إصابات في الهجوم السافر، فقد غادر مردان وعائلته القرية منذ شهر، وترك بيته (الخرابة)، واستقر في المدينة مستفيدا من ظاهرة (الحواسم)، ولم يعد يفكر بالرجوع إليه، بيد ان استقراره خارج القرية لا يعفيه من دفع الدية والتعويض (الفصل العشائري) للشيخ، فالجرذ خرج من بيته المهجور، والجريمة ثابتة ضد (مردان)، ويتعين عليه ان يرضخ للسنن والشرائع الشيطانية، التي أمنت بها بعض العشائر الغارقة في مستنقعات الباطل والتخلف.
قبل بضعة أيام كان حمار (عبود العربنجي) يتسكع كعادته في الليل البهيم على الطريق الترابي المؤدية الى القرية الواقعة على الضفة الأخرى من النهر، فاصطدمت به سيارة (جاسم ابو لسان) وتحطم زجاجها الأمامي، لم يصب الحمار بأذى، لكن (جاسم) وأبناء عمومته شنوا تلك الليلة هجوما كاسحا على كوخ (عبود)، وهددوه بالموت، وطالبوه بإصلاح نوافذ السيارة، التي هشمتها قوائم حماره المستهتر.
في المجتمعات الفوضوية الشيء الكثير من هذه الصور والمشاهد المرفوضة، التي تعكس تصرفات بعض العشائر المسلحة بالشر، وتعكس بشاعة قراراتها المخالفة لكل الشرائع والقوانين والقواعد والسنن والأعراف الإنسانية. .
الملفت للنظر ان شرائع القبائل البالية، التي ظهرت في وادي الرافدين قبل بزوغ فجر السلالات، كانت اعدل وأنصف وارحم من شرائع بعض العشائر الباغية، ومن نافلة القول نذكر ان (حمورابي) كان أول من سن الشرائع في الألف الثاني قبل الميلاد، وخصص المادة (250) من مسلته لحسم الخلافات الناجمة عن أفعال الدواب والبهائم، وجاء فيها ما يلي: (((إذا نطح ثورٌ رجلا ما وأماته، فان هذا الحادث لا يستوجب التعويض))، واتفقت الأديان السماوية كلها في القرون اللاحقة على هذه القاعدة الفقهية، حتى جاء الإسلام فأعاد صياغتها بعبارة بليغة، تنص على ان: ((جِنَايَةُ العَجْمَاءِ جُبَار))، فالجناية: هي كل فعل محظور يتضمن ضررا على النفس وغيرها، والعجماء: هي البهيمة والدابة، وسميت عجماء لأنها لا تتكلم، ومعنى جُبَار: لاضمان فيه على احد بقصاص، ولا دية، ولا قيمة. ومعنى القاعدة: ان ما أتلفته الدابة من مال او نفس يعد هدرا، لأنه لم يتسبب عن فعل إنسان عاقل، ومن فروع هذه القاعدة: لو ربط شخصان فرسيهما في مكان معد لذلك، فاتلف فرس احدهما فرس الآخر، فليس من ضمان على صاحب الحيوان المتلف، ومنها: لو اتلف هِرٌ طيرا لإنسان، او نطحت جاموسةُ أنسانا آخر فقتلته فلا ضمان، وإذا انطلق بعير فأكل فلا ضمان، وإذا انطلقت بقرة فأكلت الثياب فلا ضمان عليها. أما إذا كانت جناية العجماء ناشئة عن فعل انسان، كما لو كان الشخص راكبا للدابة، فداست شيئا للغير، فانه يضمن لأنه يعد مباشرا. .
إننا اليوم في أمس الحاجة الى نشر الوعي الفقهي النافع بين عامة الناس، وان المنظمات الاجتماعية كلها مدعوة لإرساء قواعد العدل والإنصاف، وإشاعة الفضيلة ومكارم الأخلاق بين بعض رجال العشائر، من الذين اختاروا التقهقر الى الوراء، واستجابوا لنداءات الهندسة الوراثية الكامنة في عروقهم القبلية، فانبعثت جيناتهم المتحجرة من مقابر داحس والغبراء، ليستقر بها المقام في دهاليز العصر الجاهلي، فكان الظلم من سجايا الذين تركوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين. .