حياة ناس مدينة الثورة سنوات السبعينيات من القرن المنصرم،تستحق منا، نحن ابناؤها، الكثير من الوقفات لاستبطان تجربة ذات ملامح تكتسب وضوحها وفرادتها من بساطة ناسها، وسلوكهم اليومي الذي لا يحتمل سوى تفسير واحد وتأويل واحد من دون لف او دوران او عقد أوضغائن …وبالعموم ماتجيش به صدورهم يجد طريقه سالكة وبنحو فوري ومباشر الى ألسنتهم، واذا كان هناك مايؤلم في تعبيرهم عن موقفهم فانهم يكونون غاية في التهذيب والادب وتكون ((الحسجة))، وأضنها مرادفة للتورية في العربية الفصحى ،حينئذ وسيلتهم في التعبير .
وناس قطاع (10)أحد قطاعات (الثورة) العتيدة، ناس موغلين في البساطة والواحد منهم يحمل طيبة أهل الارض بين ظلوعه كما يحمل ايضا هوية مميزة تستطيع ان تترك في وجدانك بصمتها و(موات) ايام (الحملة اللاوطنية لمحو الشيوعية والتبعيث الألزامي) كان بعثيا بامتياز ،اذ كان ممسوسا بالعفلقية من دون ان يعي ايما فكرة عنها، وربما حتى معرفة من عفلق هذا وماذا كان يريد، ويحمل (موات)مس واضح من الخبال يلمسه جميع من في قطاع (10).
ذات يوم سيكون فاصلة سيؤرخ منها ابناء القطاع ملامح مرحلة من حياتهم ، قرر اخوان (موات)انهاء عزوبيته وتزويجه، خصوصا بعد أن كاد قطار عمره عبور محطته المناسبة، وفي ذلك اليوم التاريخي الذي بدأت فيه مكبرات الصوت المعدنية تبث منذ الصباح حتى المساء أغاني عبادي وحسين سعيده والمنكوب ، نجوم ذلك الزمان وعمالقة الطرب الشعبي العراقي ،فيما راح (موات) يتمنطق بنطاق عسكري فوق دشداشته البازة وبيده (الكرك)يسوي به الارض التي امام دارهم والتي ستمسي مسرح الحفل الموعود لعرسه ،ثم يعود حاملا (السطل) الملىء بالماء ليرش الارض ،ولايهدأ أو يستريح الا بعد ان يوزع كراسي الحفل على مساحة الارض فيما يقترب وقت الزفة واخوته يستحثونه ليلبس (قاط)العرس الذي جمعوه له من سوق الهرج بنطلون وجاكيت متقاربي اللون .
كانت حفلة عرس لامثيل لها اذا احتشد الشيب قبل الشباب ،وامتلئت شرفات بيوت (الدربونة ) بالمتفرجات من العذراوات والمتزوجات ، وراحت (الكاوليات) يهزن اكتافهن واردافهن امتاعا للمشاهدين ،
وعريسنا (موات) لايستطيع الامساك بنفسه ،ليقوم عدة مرات يرتمي بين (الكاوليات) راقصا معربدا قارصا هذه ومادا يده الى تلك ،فيتبعه اخوته يزجرونه ليسترجعونه الى مقعد العريس ، فيغافلهم ليكررذات الامر.
في المرة الاخيرة وعربدة العرس في اوج اشتعالها و يبدو أن الهوس والاهتياج قد بلغا مبلغهما في دواخله،فلم يعد يطيق (موات) صبرا وفقدالسيطرة تماما على آخر خيط من اعصابه، فهجم كاسد هصور على اكثر (الكاوليات) بدانة ليطرحها ارضا فيركبها ، غير ان اخوته وبعون من حشد شباب أبرحوه ضربا وراحوا يجرونه جرا الى مقعد العريس، غير انه افلت لأخر صولة من قبضاتهم وأندفع من فوره الى (مايكرفون)المطرب ليتناوله من يده ويهتف هتاف موجوع (هلهولة للبعث الصامد هلهولة).