بين الحين والحين الآخر ألتقي بأصدقائي القدامى أو بالأحرى من بقي منهم على قيد الحياة أو لم يهاجر الى بلاد الغربة، وعادة ما يكون اللقاء في بيت واحد منا، وقد حددنا السبت الأول من كل شهر موعدا ثابتا للتجمع ما بين التاسعة حتى الحادية عشرة صباحا … وفي الغالب تكون أحاديثنا المتبادلة مفتوحة، وان كانت أوضاعنا الصحية وأمراض الشيخوخة وأسماء الأطباء وأنواع العلاجات، الى جانب استذكار أيام الشباب وحكايات أصدقائنا، تحتل النصيب الأوفر من تلك الأحاديث.
في آخر لقاء تذكرنا صديقنا الغائب الحاضر (حاتم الصكر) حين حصل في سبعينيات القرن الماضي على إيفاد الى (الجزائر) بصفة مدرس لمادة اللغة العربية، وكما تقضي الأصول فقد زار أقاربه وأصدقاءه لتوديعهم قبل سفره وكانت (جدته) من بين الذين قصدهم، وهي امرأة (على باب الله) بسيطة وطاعنة في السن وقد سألته (يمه وين تسافر) فأجابها (حبوبه للجزائر) وما كادت تسمع اسم المكان حتى لطمت على رأسها حزنا وخوفا وقالت له ( يا يمه يوليدي … هي جزيرة وحده ما تنجرع…. النوبه جزاير) ويبدو ان العجوز الطيبة لديها مفهوم خاص عن (الجزيرة) بأنها منطقة معزولة أو نائية أو مخيفة وظنت ان (الجزائر) هي جمع جزيرة، وبذلك فأن مصيبة حفيدها ستكون عظيمة، وضحك الصكر يومها طويلا، مثلما ضحكنا بعد أربعين سنة ونحن نسترجع الحكاية !!.
تنوع الحديث بيننا وامتد ليشمل التهاب المفاصل والروماتزم الذي نعاني منه بلا استثناء، والإعلانات الطبية التي تعرضها بعض الفضائيات عن وصول الطبيب الاختصاص فلان ابن فلان من ألمانيا أو الأردن أو دارفور، وأساليبه الحديثة في العلاج … الخ، وتباينت آراؤنا حول صحة أو عدم صحة مثل هذه الإعلانات، ولكننا اتفقنا بالإجماع على ان يكون استدعاء الكفاءات الطبية من الخارج، تحت علم وإشراف الحكومة، وبالذات وزارة الصحة .
كان من الطبيعي ان يأخذ الوضع الراهن نصيبه من الجلسة، وقد وقفنا عند قضية الفدرالية التي كثرت المطالبة بها وشاعت في العديد من المحافظات العراقية، وتفلسفنا أكثر مما يتفلسف السياسيون في نظرتنا الى الأقاليم، واختلفت وجهات نظرنا بين مناصر ومتحمس ومتعصب للفدرالية، كونها حقا كفله الدستور، وان نهضة أية محافظة تكمن في تبنيها للفدرالية، وبين رافض لها، متطرف في رفضه، وان بلاوي البلد هي في الدستور الذي أقرها، وليست الدعوة الى إقامة إقليم في جوهرها، إلا مقدمة للانفصال وتفتيت وحدة العراق، وتصاعدت حدة الخلاف في آرائنا الى حد رفع الأصوات قبل ان يتدخل أبو انمار.. وهو بهار الجلسة وملحها، كما نسمّيه، فقد كان يطلق تعليقات ظريفة تمنح اللقاء ما يكفي لتنقية الأجواء، وتثير روح المتعة والمرح، قائلا (يا جماعة الخير.. صلوا عالنبي.. أحنة إقليم واحد مشيب روسنا النوبه أقاليم !) وضحكنا حتى تجاوزت أصواتنا وقار الشيخوخة !!.