صارت أنظمتنا العربية فرجة للرايح والجاي في دور العرض السينمائي, وتحولت أوضاعنا المزرية إلى مادة كوميدية لإضحاك الناس والترويح عنهم.
الملفت للنظر ان هوليود, وعلى وجه التحديد بعد انهيار أبراج مركز التجارة العالمية في (11 أيلول 2001), انتهزت آثار تلك الكارثة, فكرست جهودها في تسويق المشاهد المشوهة للعرب, وصار العربي في معظم الأفلام مرتبطا بالإرهاب, وربما نجحت في ترسيخ هذه الصورة, حتى صارت صورة العربي الملتحي رمزا للشر والإجرام, وأضحت الكوفية العربية (اليشماغ) من مظاهر التمرد والتطرف, وهكذا جندت استوديوهاتها في إظهار اللقطات السلبية لمجموعة من النماذج العربية المنتخبة, فاختارت التاجر العربي, وأضفت عليه صفات المرابي الجشع, الذي يستغل الناس ويسعى للربح الحرام بالغش والاحتيال, واختارت المواطن البسيط فصورته بملامح العميل الخائن, وعرضت للناس صورة المواطن الخليجي بملامح الجاهل المتخلف, الذي يعيش في البادية مع قطعان الأغنام والماعز والى جانبه مجموعة من آبار النفط والغاز, ثم تجاوزت هذه اللقطات النمطية البليدة, لتتحول نحو منح دور البطولة لقادة الأنظمة العربية, فجاء الحاكم العربي المستبد بصورته الحقيقية, وظهر على الشاشة غارقا في الظلم والفساد, لا هم له سوى الجنس والمقامرة والمعاقرة, فاحتل مركز الصدارة بعد تفجر الأوضاع في العواصم العربية الملتهبة. بيد أن محاور الإثارة في تلك الأفلام كانت تدور في جوهرها حول شخصية المواطن العربي المغلوب على أمره, فحولته هوليود إلى مادة سينمائية مقيدة في معظم المشاهد بسيناريوهات محددة بأدوار السخرية والتندر, فالمقصود هو التهكم على المواطن العربي نفسه, وليس على الحاكم الذي وضعته في الصدارة بهدف المخادعة والتمويه, وصولا إلى تشويه صورة العرب بين الشعوب والأمم.
وهذا هو النهج المريض الذي سارت عليه شركة (بارامونت) الأمريكية, عندما شرعت بإنتاج فلم (الدكتاتور), ومنحت فيه دور البطولة للممثل اليهودي (ساشا بارون كوهين), ليجسد في الفلم شخصية الرئيس العربي (الجنرال علاء الدين) الزعيم الأوحد والقائد الأبدي الملهم لجمهورية (الوادية) الشعبية الديمقراطية. ومن نافلة القول نذكر ان (الواديّة) عبارة عن قرية ريفية بائسة من قرى محافظة ميسان جنوب العراق, تقع في ضواحي (المجر) على جدول متفرع من نهر (العدل), ولا ندري بالضبط, ما الذي جعل إدارة الفلم تختار هذه القرية المتروكة عند مقتربات هور (الصحين), لتتعامل معها كجمهورية تحمل آثام الملوك والرؤساء العرب ؟؟.
يظهر الجنرال (علاء الدين) بلحية طويلة سوداء, وبدلة عسكرية بيضاء مزركشة بالنياشين, مزينة بالرتب المذهبة, يمتطي بعيرا كبيرا, يتجول على ظهره وسط مدينة نيويورك, تحيط به عناصر مدججة بالسلاح من أفراد الحرس الجمهوري الخاص, يتحدث مع نفسه باللغة الانكليزية ليعبر عن إعجابه بأمريكا, قائلا: (مرحبا بأمريكا مسقط رأس الإيدز), ثم يردد عبارات مبهمة, يراد منها الإيحاء للمشاهد انه يجيد العربية, والحقيقة أنه يكرر مفردات صوتية غير مفهومة, لا تمت للعربية بصلة, من مثل عبارته التي يقول فيها (وِدّه فاخور موخومد بجا ليا), لا الفصحى تشبهها, ولا العامية الدارجة في معظم المدن العربية من المحيط إلى الخليج, فممثل الفلم يسخر من العرب بلسانه اليهودي من بداية العرض وحتى نهايته.