لأسباب اعتبارية وأخلاقية واجتماعية، سوف أتجنّب ذكر الشخص الذي أتحدث عنه هنا.. مع انه بالنسبة لي ليس أي شخص آخر فهو صديق تمتد علاقتي معه الى عام 1974، كنا نسكن ضمن منطقة واحدة، ومن النادر ان يمر يوم من دون لقاء في المقهى او المنزل او النادي، وطالما سافرنا معا سفرات ترفيهية الى البصرة وبابل والسليمانية والموصل، ويوم تحولت الى منطقة سكن جديدة، لم تفتر علاقتنا أو تنقطع، كان الرجل يبادلني الاتصال الهاتفي، ولا يتوانى عن زياراتي في مقر عملي حيث يكون، مرة في جريدة العراق ومرة في مجلة (ألف باء) ومرة في الإذاعة، وغالبا ما نتناول الغذاء او العشاء في المطعم او النادي ونذهب لمتابعة فلم سينمائي هنا أو مشاهدة عمل مسرحي هناك.
ولعل أحلى ما في صداقتنا وأغربها هي ميلنا المشترك الى تبادل المقالب، كان “شريرا” وداهية في توريطي بمقالب محرجة ولم أكن اقل شرا ولا دهاء منه وكنا نجد في ذلك متعة نادرة وفرصة لجعل حياتنا اكثر استرخاء وضحكا وسعادة، ومع ذلك فان لهذا الرجل وجها آخر في التصرف معي عندما أمر بظروف صعبة سياسية كانت أم مالية ام عائلية، انه أكرم من أي وصف وأكثر استعدادا لتعريض نفسه الى مخاطر لا تحمد عقباها من اجل حمايتي، وكنت أواجه مواقفه النبيلة بمواقف مماثلة، وهكذا بنينا تاريخا خاصا من الصداقة يدعو الى الاعتزاز والتباهي.
كان الرجل بعيدا كل البعد عن متاعب العمل السياسي والانتماء الحزبي، ولكن المصادفة السيئة وحدها جعلته يدير مشروعا فرعيا صغيرا في إطار مشروع اقتصادي كبير تابع لرئيس اللجنة الأولمبية يومها، عدي صدام حسين، والحق فقد أفاد صديقي من تلك الإدارة فائدة مادية كبيرة، بنى دارا فخمة واقتنى مركبة حديثة وأغدق بسخاء على نفسه وأسرته، غير ان عدي في لحظة غضب، وكما هو متوقع غضب منه لحدوث خطأ لم يكن صديقي طرفا فيه أو مسؤولا عنه، وألزمه بدفع مبلغ مالي ضخم لا يمكن سداده حتى لو باع بيته ومركبته ومصوغات زوجته، وحدد موعدا للدفع أمده أربعة أسابيع فقط، وبخلاف ذلك سيكون السجن مصيره ومصير عائلته!
في اقل من أسبوعين باع صديقي جميع ممتلكاته ودبر أمر هروبه مع أسرته الى خارج العراق، وهناك التحق بالمعارضة مكرها كما عرفت منه لاحقا، وأصبح جزءا من الحركة السياسية التي لم يقرب يوما بابها، وقد انقطعت أخباره عني تقريبا على مدى سبعة أعوام او ثمانية الى ان سقط النظام وحدث التغيير في نيسان 2003 حيث عاد مجددا الى العراق واتصل في لحظة وصوله الى بغداد.. كانت حفنة دموع باذخة وكان لقاء أحضانٍ وقبل ساخنة حتى إذا هدأت عواطفنا، قلت له ممازحا (هاي أنت وين.. الأستاذ الفاضل عدي يدور عليك؟!) ضحك بسخرية وأجابني بطريقة مازحة كذلك (ليش اني قشمر مثلك أنت اللي بقيت بالعراق تحت رحمة الجوع والخوف والحصار والطحين المخبوط بالرمل، تدري اني هناك عشت احسن عيشه، سكن محترم وسهرات يومية للصبح واكل مال أوادم وراتب راس الشهر، من سقط النظام رجعت مناضل بروسكم وموعود بوظيفة تعجبك، شسويلك، انت واحد بومة، ما سمعت كلامي وهربت ويايه للخارج.. حيل بيك).
أوجعني كلامه كثيرا ولم أرد عليه فقد كانت آراؤه سخيفة وتفتقر الى المنطق السياسي الحكيم، ولهذا غادرت المكان غاضبا من دون ان أشعره بذلك، ولم يمض عام واحد على لقائنا حتى أدركت ان صديقي الرائع على حق في كل ما قاله، وتيقنت أنني فعلا (بومة)!!