منذ العام 2002 حيث مجيئ حزب العدالة والتنمية التركي الى الحكم اتبع اوردغان سياسة اقتصادية استهوت الرأسمال العربي الذي يبحث عن فرص الربح نتيجة الوفرة النفطية التي لم تجد من يستثمرها لصالح المنطقة وانسانها, وظلت ظاهرة القشرة المالية تنحو منحى ترفيا خاليا من البعد التنموي الاستراتيجي, فكانت سباقات الهجن مثالا على السطحية التراثية مثلما كانت مهرجانات السينما على الطريقة الهوليودية في امارات الخليج هي تعبير عن ازدواجية التخطيط الذي يلبس قفازات غيره .

ان تنفس الاقتصاد التركي عبر العراق وسورية وبقية الدول العربية مع فتح الفرص للعمالة التركية في المنطقة العربية كل ذلك يندرج تحت اطار ” السياسة الناعمة ” ولكن هذه السياسة لم تدم طويلا اذ سرعان ما بدت عليها الاعراض المرضية مثل :-

1-  استمرار العنف ضد اكراد تركيا 

2-  تكرار الهجمات غير المبررة وغير المجدية على شمال العراق 

3-  احتضان بعض العناصر المتطرفة من سنة العراق 

4-  التنسيق الخفي مع سلفية الاحزاب العربية 

5-  الانقلاب المفاجئ على صداقة النظام السوري 

6-  امتثال قبول الادوار بوحي من الادارة الامريكية واللوبي الاوربي الداعم لإسرائيل 

7-  عدم جدية وعودهم باطلاق نسب كافية من مياه دجلة والفرات حسب معاهدات المشاطئة الدولية للانهار 

8-  احالة مجموعة من كبار قادة الجيش التركي بتهمة مؤامرة انقلابية الى الاعتقال. 

وتلت هذه الاعراض المرضية في السياسة التركية مسلسل الانتكاسات مثل :-

1- فشل مخطط سفينة الحرية تجاه اسرائيل التي ردت بقتل تسعة من الاتراك دون وجود رد فعل دولي يتناسب وبشاعة الاعتداء .

2- عدم تأثر التمثيل الدبلوماسي بين تركيا واسرائيل بعد حادث سفينة الحرية وعدم تأثر التبادل التجاري اذهب بمصداقية الدور التركي الذي اراد الدخول للمنطقة العربية والاسلامية بوجه المتحدي لاسرائيل. 

3- ظهور الدور التركي متلبسا بالادوار المشبوهة من خلال مخيم الفتنة على الحدود التركية السورية الذي تم اغتصاب “400” امراة سورية فيه مما سبب حرجا كبيرا للقيادة التركية لم تعرف كيف تواجهه. 

4- استعمال خطاب مجافي للاعراف الدبلوماسية تجاه القيادة السورية مما سبب انتكاسة حقيقية لمفهوم السياسة الناعمة. 

5- فشل الخطاب الاوردغاني في مصر الذي كان سببا لفشل زيارة اوردغان لمصر. 

6- دعوة فرنسا تركيا للاعتراف بالمذبحة الارمنية وتقديم الاعتذار, وهي خطوة لم تكن القيادة التركية تتوقعها نتيجة قيامها بدور يخدم المصالح الاوربية في المنطقة. 

7- ظهور التحالف العلني بين الاخوان المسلمين في سورية الذين يتقدمون اعمال التحريض والقتل وكل اعمال العنف في سورية بدعم خليجي سعودي وبقبول امريكي ورضا اسرائيلي وبين القيادة التركية بزعامة اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو. 

8- نصب الدرع الصاروخي الامريكي الاوربي في تركيا على الحدود الايرانية اخرج القيادة التركية الاوردغانية من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة. 

9- تبني اوردغان ووزير خارجيته للدعم العلني للجناح المتطرف في ليبيا والسماح له من خلال علي بلحاج الوهابي بنقل مسلحي القاعدة الليبية عبر تركيا الى الاراضي السورية هو علامة الانتقال والتحول النهائي من مفهوم السياسة الناعمة الى مفهوم العنف وما يترتب على ذلك من مصطلحات الحرب التي تتجمع فيها كل مظاهر العنف. 

10- فشل محاولاتهم لايجاد منطقة منزوعة السلاح حتى تكون ممرا امنا لعناصر الارهاب وما يسمى بالجيش السوري الحر بين تركيا وسورية أو بين لبنان وسورية عبر وادي خالد جعلهم يتجرعون انتكاسة لوجستية في محاولاتهم الرامية الى اسقاط النظام السوري. 

11- فشلهم في اقناع جماعات واحزاب الرأي التركية في صحة مايقومون به تجاه سورية من زعزعة لاستقرارها انعكس سلبا في الحياة الاقتصادية التركية مما جعل غالبية التجار واصحاب الحرف التركية يعلنون رفضهم لما يقوم به اوردغان ووزير خارجيته , والمنظمات التركية التي زارت سورية والتقى بعضها برئيس النظام السوري بشار الاسد كانت تعرب عن رفضها لسياسة اوردغان. 

12- قيام وزير خارجية تركيا اخيرا بزيارة طهران التي جاءت متأخرة بلغة الحدث هو اقرار بالفشل واعتراف ضمني بانتكاسة سياسة اوردغان تجاه سورية والعراق والمنطقة, وطلب احمد داود اوغلو من طهران القيام بنصيحة سورية هو اعتراف بنجاح الدور الايراني وعدم نجاح الدور التركي المنافس للدور الايراني في المنطقة. 

13- فشل علني لسياسة اوردغان في العراق من خلال البحث عن المعابر والمنافذ الطائفية لمخاطبة المسؤولين العراقيين, ومن خلال عدم قدرتهم على توظيف الدور الامريكي في اقليم كردستان العراق لصالحهم , فبعد الانسحاب الامريكي من العراق ظلت مشاكلهم عالقة على حالها مع حزب العمال الكردي التركي الذي يقع في مثلت تنفتح فيه كل الاحتمالات المستقبلية, مما يجعل الحرب الناعمة مستحيلة على الجانب التركي بينما يظهر العنف صانعا وناسجا لعلاقات اوردغان مع محيطه بما يجعله ينطبق عليه المثل :” على نفسها جنت براقش “. 

14- من هنا وبعد كل هذه الملامح والمظاهر لايمكن وصف الحالة الاوردغانية التركية الا باستغراقها في وحول ومستنقعات الهموم السياسية التي نقلتها سياسة اوردغان من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة وما يترتب عليها من متاعب كانت تركيا في غنى عنها يوم كان الاقتصاد التركي في بحبوحة والسياحة التركية تجتذب الكثيرين بعيدا عن العنف والطائفية والعنصرية, اما وقد دخلت سياسة اوردغان في شراك الخشونة التي لاتستبعد كل مفردات العنف كما حدث في سورية الخاصرة المؤلمة لتركيا اقتصاديا واجتماعيا, فان العراق وسورية هما البوابة الحقيقية لإطلالة تركيا على العالم العربي, ومن يعمل في السياسة بدهاء وذكاء عليه ان يعرف ما معنى هذه البوابة التي دونها مياه دجلة والفرات , فالباب يمكن ان يغلق نهائيا ولكن النهر الدولي لايمكن ان يغلق نهائيا. 

التعليقات معطلة