الربيع العربي لم يؤتي ثماره بعد، فالمراحل الانتقالية بعد الثورات قد تطول أكثر مما أعتقد المتفائلون، لكنها قد تكون أقصر بكثير مما يعتقد المتشائمون.
في مصر ثمة من يعتقد أن نظام مبارك سقط، الآن المباركية باقية لبعض الوقت، ورغم أن انتخابات مجلس الشعب المصري جاءت بالإسلاميين على عكس ما كانت تبشر رياح الثورة، إلا أن مطالبات البعض بتسريع الانتخابات المصرية قد تعيد كفة ميزان الثورة، وأن بشكل يعيد ما يشبه التوازن بين واقع مصر السياسي وطموحات شعبها التي تبدو أنها أظلت الطريق في فوضى التغيير.
وحدها واشنطن استفادت من صعود الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية، فقد تمكّنت من التنسيق معهم قبل وبعد الانتخابات وحصلت منهم على ضمانات برعاية مصالحها في مصر، والأهم، حصلت منهم على صك حراسة بنود اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري، أنور السادات، واشنطن أكلت الحصرم المصري والشعب سيضرس في السنوات الأربع القادمة بسبب غياب برنامج الدولة في أدبيات الإخوان.
في ليبيا، لا يختلف الأمر كثيراً، إلا من حيث الدمار الذي أصاب المدن الليبية، وموقف الأميركان في ليبيا لم يختلف عنه في العراق لجهة الحفاظ على عقود النفط وآبار النفط ومنشآت النفط، أي النفط، والنفط فقط، فقد أستمر إنتاج النفط بإشراف أميركي-غربي
وتسويق قطري دون أي «تدخل» من الحكومة الليبية المؤقتة، بل أن خبيراً نفطيّاً ليبياً، يؤكد للصحافة الفرنسية أن الليبيين ممنوعون من الاقتراب من آبار وحقول النفط الليبية لمسافة تزيد على الخمسة عشر كيلو متراً، في الوقت الذي تشهد فيه المدن الليبية احتجاجات شعبية واسعة بسبب خواء المصرف المركزي الليبي من العملات، وعجز الحكومة الجديدة عن دفع المرتبات وتقديم الخدمات للمواطنين، والمفارقة في الأمر، عجزها عن توفير النفط والبنزين
مرة أخرى.. واشنطن تأكل الحصرم الليبي، والليبيون يضرسون.
في اليمن السعيد، الأمر مختلف هذه المرة، فتنظيم القاعدة الذي ضربت تنظيماته بقوة في العراق وأفغانستان، خاصة بعد مقتل أبرز قياداته، مثل أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهم، وجد ملاذاً آمناً في اليمن، مستفيداً من حالة الفوضى التي أعقبت ما يشبه نجاح الثورة اليمنية، إثر موافقة علي عبد الله صالح، الذي يحل ضيفاً على مستشفيات واشنطن، على التنحي وتسليم صلاحياته الرئاسية إلى نائبه تمهيداً للانتخابات اليمنية المقبلة.
واشنطن نقلت ساحة معركتها مع القاعدة إلى اليمن، وهي كما فعلت في الباكستان، تفعل الآن في المدن اليمنية، فمن ناحية تهاجم طياراتها بدون طيار مدناً يمنية لضرب تجمعات تنظيم القاعدة، ومن ناحية أخرى تسوق للمخاوف من عمليات إرهابية للتنظيم في مجمل الجزيرة العربية، انطلاقاً من الأراضي اليمنية، بل وبدأت حملة منظمة لتسويق مخاوفها من هجمات يشنها التنظيم داخل أراضي الولايات المتحدة على شاكلة تفجيرات 11 أيلول، مما يشكل مقدمة حسب المراقبين لتدخل أمريكي مباشر في الشأن اليمني، إذا ما جاءت نتائج الانتخابات على عكس ما يشتهي البيت الأبيض.
إنها مقدمات أيضاً لأكل الحصرم اليمني.. وترك اليمنيين.. يضرسون.