يحاول الأوربي، وكل من فهم الحياة، وعرف مزاياها وممكناتها ومعناها، مثلما عرف عبثها ولا معناها.. يحاول ان يعيشها، كفرصة معطاة لمرة واحدة، ويتمتع بها ولا يترك للقبر غير عظام نخرة، يرضي كل خلية فيه.. يتمتع بالطعام والشراب والجمال وكشوفات الفكر ومديات الكون.. فالعالم له ويتوجب ان يعيشه.. ويعيشه سريعا بعمره الوجيز هذا، وبالوقت الناضب والخاطف، وبات يأسف لأن اليوم قصير ولا يكفي لانجاز النزر اليسير من متطلباته ومشاغله.. ويشكو المثقف المنتج، على نحو مضاعف من ضيق الوقت وقصر العمر وعدم قدرته على اللحاق وقراءة جزئية من حقول المعرفة والاطلاع.. في النفس والمجتمع والطبيعة والكون، وفي الأديان والتاريخ والعلوم.. مثلما راعهم وأفزعهم مقدار العبث…  ولكنهم واجهوه وتصدوا له بمزيد من الجدية وتفوقوا عليه بالتحدي..  مثلما تحدوا قانون الجاذبية وجابوا اقطار السماء …وأحالوا نزعة العدوان البشرية الى تباري في العطاء والمودة والتواصل.. وفي الفن الجميل وإبداع الحياة..  وهكذا أحالوا الشر الى خير، وأعادوا إنتاج جسم الإنسان، ونفسه وعقله ونوازعه الفطرية.

هذا الأوربي.. أو هذا المثقف المنتج.. أو هذا الذي (رأى) وعرف.. وبلغ شيئا من السر وعاش بالإبعاد التي تنتجها له حياته الوجيزة وثقافته المحاصرة بقصر الوقت.. هذا الكائن المحظوظ بنظر الأجيال الغابرة ومخلفاتها، سينظر، بدوره بحسد الى هذا الصنف من المتحجرين.. يحسدهم على أوهامهم وخرافاتهم وجهالاتهم، يحسدهم على يقينياتهم البليدة، وفي وقت كشف عن قصور عقل اينشتاين.. يحسدهم على إحساسهم بسعة وطول الوقت.. وهو الذي يكاد يتلاشى كل منجزه في قصر الوقت.. وفي محدودية الحياة.. وفي موت يختم كل شيء.. وان الحياة، قد تكون بنظره، معادلة طرفها الآخر صفر.

من المحتمل ان ينظر الواعي الى المتخلف مثل هذه النظرة.. ويحسده على يقينياته وتثاؤبه وكهفه..  ويظن ان عدم الوعي بطمأنينته افضل من وعى يفجر معنى وحياة الإنسان ولو للحظة…  والاكيد ان شعور الواعي هذا هو من قبيل المترف والمتخم الذي يتصور مذاق الرغيف اليابس في فم البائس المدقع.

المتخلف متخلف بقدر جهله بالزمن والحياة وضرورات خلقها، وبقدر تبديده لها بما لا يديمها ولا يخدمها…  المتخلف لا يدري ان طاقته مرصودة لأفران صناعة وخلق الحياة وليس لطبخ الحصى، مثلما ينسى انه يحوز على انسانيته ويقترب من الله بقدر انتمائه للإنسان وبقدر المجتمع في وجدانه.. وبقدر ما يضيف للحياة من معاني وابعاد جميلة.. وبقدر بصمته التي يودعها في قلوب وذاكرة البشر.

المؤلم، والمغيض والممزق للأعصاب بان يكون بين الواعين المشوهين ..بين من توصلوا الى فهم مشوه للحياة..ووظفوه لذواتهم او لذئبيتهم ليعيشوا الفرصة الوجيزة، وجدوا في المتخلفين مشاريع استثمار مربحة ..وقالوا ان من حق من عرف الحياة وادرك قيمتها ان يعيشها اكثر من سواه …وكما هناك حمير للركوب ونقل الاحمال(وعندما ينفق حمار يستعان بغيره) هناك سعداء بخرافاتهم وكهوفهم.. ولا بأس من مجاراتهم ومن علفهم.

التعليقات معطلة