السيد (……) مدرس مادة التاريخ في ثانوية (….) ، إنسان عصامي ملتزم،  ومخلص في عمله، لايفوت دقيقة من الدرس، ولايميز بين طلابه ولا يقبل هدية أو رشا، ويرفض اية (واسطة) لتغيير درجة الرسوب الى النجاح ولو كان (الوسيط) اخا او صديقا او وزيرا، كما لايغير درجة النجاح الى الرسوب حتى لو كان بينه وبين الطالب ثأر او عداء، انه رجل (حقّاني) وعادل كميزان الذهب. 

غير إن مشكلة هذا المدرس الأخلاقي النموذجي، تكمن في طبيعة عقله الجامدة، فهو لايمتلك أدنى مرونة في تطبيق الأنظمة والقوانين المدرسية، ولا يأخذ بنظر الاعتبار هذا الظرف الاستثنائي أو ذاك مما يقتضي شيئا من التسامح أو التساهل ، فكل شيء عنده كما يقولون، أسود أو أبيض ولاتوجد منطقة وسطى!! 

في العام الدراسي1958 / 1959، اي بعد ثورة 14 تموز مباشرة، قام المشرف التربوي الاختصاص بزيارة تقليدية للثانوية، وكان عبر جولات اشرافية سابقة قد كون انطباعا جيدا عن الدرس، لما لمسه فيه من إلمام جيد بالمادة، وطريقة تدريس ناجحة تشرك الطلاب في الاسئلة والحوار والنقاش، زيادة على جدية واضحة في ادائه المهني، وهكذا دخل المشرف (كان يسمى المفتش) الى الصف.. وتم استقباله بالأسلوب التربوي المتعارف عليه.. وبعد أن حيا الطلاب واستاذهم، وقف قريبا من الباب وراح يتابع المحاضرة، وكانت مادة الدرس تبحث أو تتناول حضارة العراق القديم، ولاحظ المشرف إن المدرس حيثما وردت في كلامه عبارة (مملكة بابل) يغيرها الى (جمهورية بابل)، وحيثما ورد أسم حمواربي ملك بابل يغيره الى (حمورابي رئيس جمهوري بابل) وان الطلاب في اثناء الاسئلة والاجوبة كانوا يفعلون الشيء نفسه، وبخلاف هذه الملاحظة كان كل شيء على أفضل وجه، ولم يشأ المشرف تصويب هذه الخطأ وإحراج الاستاذ أمام طلابه! 

في غرفة الادارة وأمام المدير والمعاون وبحضور مدرس التاريخ ، اثنى الرجل ثناء كبيرا على التزام المدرس بالخطة اليومية، وطريقة تدريسه، وعلى المستوى الطيب للطلاب، ولكنه طلب منه برجاء مهذب ان يصوب عبارة (جمهورية بابل) الى (مملكة بابل) و (حمورابي رئيس الجمهوري) الى (الملك حمورابي) ، وان ينقل هذا التصويب الى طلابه لكي لايلازمهم هذا الخطأ، لان انظمة الحكم في العراق القديم سواء كانت ملكية أم امبراطورية، وكذلك رؤساءها، سواء كانوا ملوكا أم اباطرة، ولاعلاقة لها بما يحدث في العصر الحديث، فالتاريخ القديم ابن مرحلته، وهو قائم بفسه، ولاسلطة لنا عليه حتى إذا انتهى من ملاحظته التوجيهية العابرة، رد عليه المدرس معترضا (أستاذ .. لقد تلقينا كتابا رسميا من الوزارة يلزمنا بتغيير عبارة المملكة العراقية اينما وردت في المنهج المقرر الى الجمهورية العراقية، وكذلك تغيير عبارة ملك العراق الى رئيس جمهورية العراق، وإذا كنت تدعوني الى عدم الالتزام بتعليمات الوزارة (فأرجو أن تتحمل المسؤولية وحدك) وعجب المشرف مما يسمع وقال له: (أنا اتحمل المسؤولية وحدي).. وظن إن الأمر قد حٌسم وبات واضحا، إلا ان المدرس عاد ليقول:( إذا كان الأمر كذلك.. ارجو ان تكتب ورقة رسمية تحت عنوان تعهد خطي لكي ابرئ، ذمتي من المسؤولية!) ولملم المشرف أوراقه وغادر الثانوية على عجل خشية أن يعاوده إلتهاب القولون!!

التعليقات معطلة