يأخذ مسلسل هدر المال العام في العراق مديات غريبة وانماطا عجيبة, اصبح الحديث عنها مملا لعدم اكتراث الجهات المعنية بمثل هذه المسائل.

والاشجار الاصطناعية التي فاجأت المواطنين في بعض الجزرات الوسطية في مدن العراق هي ظاهرة محيرة لايمكن ايجاد تفسير منطقي لها، فهل هي حقا للزينة، وهل هي منافسة للأشجار الطبيعية المتوفرة بكثرة والحمد لله، وهل هي ارخص كلفة من الاشجار الطبيعية، وهل اصبحت الطاقة الكهربائية عندنا متوفرة  وفائضة عن حاجة المواطنين حتى نسخر قسما منها لاضاءة كتل جامدة من الاشجار الاصطناعية، ثم هل وصلت بلديات محافظاتنا العتيدة الى درجة من الاكتفاء وتغطية حاجات المواطنين بالمزيد من الترفيه المخطط والزينة المدروسة, بحيث انها رفعت اكداس القمامة من الشوارع والساحات العامة، فضلا عن الازقة ومداخل الحارات التي مازالت تبدو للناظر وكأنها تنتمي لمدن مهجورة، وهل قامت بلديات المدن بزراعة المساحات الخضر التي مازالت متربة  واكتشفت انها بحاجة الى خطوة سريعة للتزيين فسارعت الى شراء الاشجار الاصطناعية من الخارج وباسعار لايعلمها إلا الذين هم وراء هذه الخطوة المريبة والعمل المحير؟ 

هل يعلم الذين استقدموا هذه الاشجار الاصطناعية انهم اضافوا لمجمعات السكراب كمية تراكم ثقيل من الكتل غير المفيدة بعد فترة وجيزة مما سيشوه الشوارع والساحات المشوهة اصلا بسبب الاعمال الارتجالية في الجزرات الوسطية في شوارعنا وطرقنا التي تصل بين بعض المحافظات.  وهل يعلم من كانوا وراء هذه الفكرة المشوهة انهم ارادوا منافسة نخيلنا المثمرة المطعمة في المحل على تعبير العرافة العربية الاولى ” طريفة الخير” وهي قائدة الهجرة العربية الأولى في تاريخ العرب من اليمن والتي قالت لقومها في استدلال على العراق مايلي:

من اراد خضرة الافاق

وكثرة الارزاق

والثياب الرقاق

والخيل العتاق

 والدم المراق

فعليه بالعراق 

ويبدو ان اصحاب فكرة الاشجار الاصطناعية يريدون استبدال خضرة العراق بصدأ الحديد, الذي يذكرنا باستيراد الحاويات المعدنية التي اصبحت بسرعة متهالكة منزوية في منعطفات الشوارع لتشكل عبئا جديدا على البيئة العراقية المثقلة بالقمامة والنفايات والمخلفات الضارة من كل شيء. 

ويقال انه تم استيراد ” ربع مليون حاوية ” -والعهدة على الراوي- والتي اصبحت ركاما من المخلفات التي تشوه مناظر الشوارع والمنعطفات في المدن العراقية, بينما راح اصحاب المشروع المشبوه يشيدون قصورا وعمارات من جراء تلك الصفقات حيث لم يجدوا من يسألهم ومن يحاسبهم, فالعراق على المثل القديم الذي تركته لنا انظمة السلطة الزمنية البائدة:” العراق بستان قريش”.  

ويقول المقربون من مراكز القرار التي استقدمت الاشجار الاصطناعية: ان كلفة الواحدة منها ” مليون دينار”، ولا ندري مع النصب أم بدون النصب، وكم تكلف اعمال الادامة والصيانة والتشغيل.

 كلها اسئلة تقبع في غياهب المجهول، ويبقى العراق واعماره حكاية على شكل رطانة غير مفهومة بين السائل والمسؤول، وتفريخا للفساد المتكاثر بالعناوين وبشراك الوسائل الملتوية التي اصبحت محطة لتخريج حديثي النعمة من سراق المال العام الذين اصبحوا يمثلون مافيا قاتلة متوحشة تتربص بمايلي:

1- باستباحة العقود 

2- وتوظيف كواتم المال 

3- والانتشار في مساحات الاستثمار 

4- ومعرفة مايجري خلف الكواليس 

5- ونزيلا دائما في فنادق ومطاعم الدرجة الاولى, حيث يخلو لها مكان الانفراد بصيد العقود, وكشوفات وتنادر المقاولات والمشاريع التي ترسو على من يريدون, بعيدا عن منافسة الاخرين من الشرفاء الذين عرفوا اللعبة فكفوا عن المنافسة لاعجزا وعدم مقدرة, ولكن يأسا من شراهة القابعين خلف المكاتب التي تعمل بالخناس الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس, وهذه المرة من شياطين الناس فقط من الذين فاقوا بالاعيبهم وتحايلهم وأمراض نفوسهم شياطين الجن، في مشروع الاشجار الاصطناعية المضحك المبكي, نحن امام مسرحية بائسة لنهب المال العام للأسباب التالية:

1- لفجاجتها وابتذالها وسخريتها 

2- لسكوت الجهات الرقابية عنها 

3- لوجود الداعمين في مواقع القرار 

4- للمحاصصة التي اصبحت تشويها ليست للسياسة فقط وانما للاخلاق والاجتماع, والدين والدولة. 

ثم ان بقاء انفلات مثل هذه المشاريع يعني مايلي:

1- بقاء الفقراء على فقرهم

2- بقاء رواتب الموظفين على تدنيها

3- بقاء الايتام والارامل بدون عناية

4- بقاء العاطلين عن العمل على بطالتهم

5- بقاء شوارع وطرق العراق على تهالكها

6- بقاء مرضى العراق على ضياعهم وحيرتهم

ومظاهر متناقضة من هذا المستوى, وفوارق حادة بهذه الدرجة واعمال لا مسؤولة بهذه المواصفات, هي من يصنع الحيف, وللحيف غائلة في النفوس لايمكن معرفة طقوسها, إلا عندما تقع الواقعة, وعندها لاينفع الندم, حيث يتعطل دور العلم والحلم, وتحل الفتنة التي لاترحم احدا. لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا كل هذا السكوت والخالق حي لا يموت؟! 

التعليقات معطلة