قيل أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك شعر بتهديده الجدي لمنصبه حين كان وزيراً لخارجية مصر لمدة تربو على العشر سنوات، فأزاحه عن طريقه بانقلاب ناعم، قاده إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، المنصب الذي يختزل كل الخلافات العربية، ليجملها بتوافقات هشة لا تلبث أن تتحول إلى حروب كلامية واقتصادية معلنة، إلا انه مسك عصاه السحرية من الوسط، فتمكن من إرضاء الجميع، أنه نصف عصا الايجابي، لكنه بالمقابل حظي بغضب الجميع، أنه النصف السلبي، أحد أهم امتيازات منصب الأمانة العامة للجامعة العربية.

أنه عمرو موسى، الذي يقول المصريون، أنه كان أشهر سياسي مصري، بعد أن أطلق عنه المطرب الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم أغنيته الشهيرة «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل»، ويقولون أيضاً، أن هذه الأغنية كانت سبباً مباشراً لغضب مبارك وخشيته من شعبية موسى وتطلعاته السياسية.

عمرو موسى الذي تعود اللعب على التناقضات، استشعر التغيير في مصر منذ بدء الاحتجاجات الشعبية، فحمل خبرة أكثر من خمسة عقود في العمل السياسي في حقيبته، وغادر الجامعة العربية، متهيئ لدور أكبر وأهم، أنه حلم موسى في رئاسة مصر، ذلك الحلم الذي يعتقد موسى، أن مبارك وأده قبل أن يرى النور، لكن أين مبارك الآن؟.. ومن هو المرشح الذي ينافس عمرو موسى بحنكته السياسية اعتلاء كرسي الرئاسة؟.

الرجل الذي يبدو واثقاً تماماً أنه رئيس مصر المقبل، يتطلع إلى النيل حيث مقر حملته بالجيزة المطل على ضفة النهر، حالماً بشق النهر الخالد بعصا خبرته، كما يتطلع إلى أن يطوي بر مصر بمشاكله الاجتماعية المتراكمة، فهو «رجل التناقضات» كما يصفه دبلوماسي خليجي عمل معه سنوات طوال في أروقة الجامعة العربية.

لم يطل صمت موسى على تسويف المجلس العسكري حول تسليم السلطة للمدنيين، ليعلن ما يشبه الأمر الرئاسي: ينبغي أن تجرى الانتخابات الرئاسية في نيسان المقبل، لأن ما يهم الآن هو أن يتمّ نقل السلطة في غضون الأسابيع القليلة المقبلة.

كما أنه لم يتوان في الدخول إلى حلبة الصراع القائمة في الساحة السياسية المصرية الآن، ليدخلها بقوّة متكئا على عصاه التي تحمل بين أليافها أيقونات الرضا المصري والعربي والإقليمي والأميركي.. أيضاً، ليعلن، إنه سيتصدى للفساد لتعزيز الاقتصاد وسيحافظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة وسيحترم معاهدة السلام مع إسرائيل وسيتعاون مع الإسلاميين الذين يسيطرون الآن على البرلمان؛ هذه رسائله الواضحة إلى الجميع، بكلِّ ما فيها من محاباة ونفاق سياسي وتوفيقية بين مختلف الأطراف، لكنه يحرث أمامه مساحات واسعة من الهيمنة على صنع القرار في حالة انتخابه للرئاسة، فهو يحيّد الجيش، بل يقصقص أجنحته قبل الشروع في خوض صراعات مراكز القوة، فيعلن في حوار صحفي، «سيكون الجيش أحد المؤسسات الأساسية في البلاد لكنه ليس منفصلاً بمعنى ألا يكون له وضع مستقل بذاته والبلاد لها وضع آخر».

هو يدخل على خط الأزمة بين المجلس العسكري المصري وواشنطن حول عمل المنظمات المدنية المدعومة أميركياً في مصر، وكعادته، لا يتخلى موسى عن عصاه، كما لم يغير من موضع مسكها، أنه الوسط دائماً، فيقول: «إن مصر كانت حسّاسة لعمل المنظمات غير الحكومية». لكنه وكعادته يضيف «هذا هو عصر المنظمات غير الحكومية. لا يمكننا أن ننكر أهميّة وجود المنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم».

إنّه عمرو موسى القادم إلى رئاسة مصر بعصا علمانية، لكنه مستعد أن يهش بها غنم الإسلاميين.

التعليقات معطلة