وزير الخارجية التركي داود أوغلو يرسم سياسات تركيا الخارجية، والآخرون وبضمنهم رجب طيب أردوغان، ينفذون؛ هذه حقيقة يعلمها الجميع ولا غبار عليها، بل أن أحد محرري الـ»واشنطن بوست» يرسم مقاربة بين أوغلو وهنري كيسنجر الذي غالباً ما يوصف بثعلب السياسة الأميركية.

داود أوغلو على العكس من رجب طيب أردوغان الذي يبدو غاضباً ومتجهماً ولا يتورع عن وصف المسؤولين الأجانب، ولاسيما العرب منهم، بصفات أقل ما يقال عنها، إنها ليست دبلوماسية، في حين يبدو أوغلو بشوشاً متماسكاً، ولم يخرج عن هذا الطور إلا مرّة أو مرّتين، حين أوشكت خططه المحكمة على فشل التطبيق في الحالة السورية.

وأوغلو بكّر في ترقيع فتوق رجب طيب أردوغان العراقية، فقد التقى السيد مقتدى الصدر أثناء زيارته لطهران، ونصح حكومته بتعجيل موعد زيارة السيد عمار الحكيم بدعوة رسمية إلى أنقره، وتضمن جدول الزيارة لقاء رئيس الجمهورية عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية داود أوغلو، هذه اللقاءات التركية (الشيعية) هي محاولات (داودية) لغسل وجه تركيا (الاردوغانية) من ما علق به من وحل الانحياز الطائفي الذي بات واضحاً للعيان في ملفات مصر وتونس وليبيا وسوريا، ومؤخراً في تصريحات وتهديدات رئيس الوزراء التركي الأخيرة، والتي قوبلت باستهجان تركي فاق ما قوبلت به من استهجان عراقي.

الثعلب التركي يعي بحنكته السياسية، إن سكة قطار الربيع العربي لن تمر بالعراق لأسباب معروفة، ويعي أيضاً أن الربيع العراقي قادم ولكن بشكل مختلف عن الربيع العربي المصحوب بالعواصف والزلازل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالعراق قطع شوطاً بعيداً في هيكلة نتائج ربيعه الخاص، قد لا تبدو ملامحه على السطح، لكن الثعلب التركي يعي إنها كامنة وتنمو بشكل هادئ منذ سنوات، ما سيعيد العراق إلى ممارسة دوره في حلبة الصراع الإقليمي دون أن توجه إليه اتهامات حروب الجيران وانتهاك حقوق الإنسان وحيازة أسلحة محرَّمة دوليّاً كما كان الحال مع النظام السابق، لذا فإن الثعلب التركي يعي أيضاً، ضرورة أن يكون العنب العراقي، أو بعضاً منه على الأقل، يجب أن يكون في السلة الإقليمية التركية، بغض النظر عن تمنيات رئيس وزرائه رجب طيب أردوغان وأحلامه بأن يصبغ أنظمة المنطقة -بلون واحد- تمهيداً لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية تحت قيادة الباب العالي.

أليس أوغلو القائل: (أن العراق اختبار لكامل منطقة الشرق الأوسط، حيث أن الفشل بالعراق قد يكون عاملاً مرشحاً لهدم كافة أسس الربيع)، ما هي معايير الفشل والنجاح في العراق، بالنسبة لأردوغان باتت معروفة تماماً، لكنها بالنسبة لأوغلو مختلفة تماماً، فالرجل لا يراهن على كامل حقل العنب العراقي، بل يراهن على بعض قطوفه، خاصة وأن تركيا تعتبر المُستَفيد الأوّل من حجم تجارتها واستثماراتها في العراق، فهل ينفذ أردوغان، كعادته، ما يرسمه الثعلب التركي من سياسات، أم سيبقى غارقاً في أحلامه الرطبة؟

التعليقات معطلة