أسعار إيجارات المنازل في العراق، أغلى منها في أيٍّ من الدول المجاورة، الفرق في عدد السكان ومستوى دخل الفرد يقول البعض . الخلل في تخطيط بغداد العمراني والتمدد الأفقي في البناء الذي جعل عدد الوحدات السكنية أدنى بكثير من عدد السكان ولا يلبي متطلبات الانشطار في الأسرة  العراقية، يقول البعض الآخر. 

الوعود الرسمية بحل الأزمة مستمرة، لكنها بلا تنفيذ، مرة تأخذ اسم مجمع بسماية وأخرى اسم العقود الكورية أو اليابانية وربما عقود ساحل العاج، لكنها تبقى وعوداً تتبخر مع أحلام المواطن بسكن يجنبه ذل الإيجارات المرتفعة التي تصل أحيانا الى  مرتب الموظف الحكومي. تخيل أن تعمل بجهد لمدة ثلاثين يوماً، لينتهي بك الأمر بتسلم ثمن هذا الجهد من المحاسب وتسليمه إلى يد مالك البيت الذي تسكنه.

هل هي أزمة؟.. لا.. الأزمة لم تبدأ بعد.

جاءني صوته رطباً قلقاً وهو يتحدث من شارع العراقيين في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق. صاحبي الذي قضى أكثر من (10) سنوات  من العيش في سوريا، قرّر العودة إلى العراق. لكنه غارق في حيرة السؤال عن السكن في بغداد، عن أسعار الإيجارات، عن فرص العمل. باختصار: عن كونه عراقي يريد أن يعيش بكرامة في عراقه. 

أزمة صاحبي، هي أزمة مئات آلاف العراقيين، الذين لم يجدوا وسط ظروف القلق التي تعيشها سوريا، سوى العودة إلى العراق، هؤلاء ينشدون الأمان، الذي بدأ يتبدد في الشارع السوري. أنهم يقارنون بين الأمن هنا وبين الأمن هناك، ومثل كل المقارنات، فإن كفّة الوطن هي التي ترجح وإن كانت هي الكفة الهابطة في الميزان. 

الغربة كالصقيع، تقتل دفء الروح.

أزمة صاحبي وضعتني في دوامة البحث عن سكن يليق به، وتتناسب مع إمكاناته المالية. إستنفرت كل أصدقائي للبحث عن سكن لصاحبي، حتى الزملاء في الجريدة دخلوا في دوامة البحث. المناطق تختلف، وكذلك الأسعار، دوامة البحث ذكرتني بمقولة غسان كنفاني في روايته الرائعة أم سعد (خيمة عن خيمة.. تفرق). والأهم أن أجد لصاحبي خيمة تقيه وعياله برد الشتاء الذي جاء قاسياً هذا العام، لكن سقف أي خيمة في بغداد مرتفع عن سقف إمكانات صاحبي المالية.

هل هي أزمة؟ نعم بدأت ملامح الأزمة الآن..

مئات الأسر  العراقية تصل بغداد فجر كل يوم، ومثلها تصل في المساء. هؤلاء شظايا عراقية للأزمة السورية، فهم بحاجة للسكن، وللعمل.. أيضاً.

الإيجارات ترتفع في كل المناطق، والتصريحات الرسمية التي تتبخر فور عرضها من على شاشات الفضائيات، لم تعد تجدي. والمطلوب حلول سريعة لحل أزمة الشظايا العراقية في الأزمة السورية، لأنّها إن تواصلت بهذه النسبة، إن لم تتصاعد خلال الأيام المقبلة، سنكون أمام أزمة، لا تحلها سوى مخيمات هي أشبه بمخيمات اللاجئين، ولا أعتقد أن العراق الجديد سيعامل العراقيين العائدين، بعد طول غربة، إلى وطنهم، معاملة اللاجئين.

التعليقات معطلة