الولايات المتحدة الأميركية تترقّب ما يجري في سوريا عن كثب، ودول العالم الأخرى تترقّب ما يجري هناك أيضاً. لكن الملاحظ في الأزمة السورية، أن مواقف خط الطول تتناقض مع مواقف خط العرض، خط الطول السوري يبدأ من تركيا شمالاً، ويمر بالمملكة الأردنية في الوسط، وينتهي بالمملكة العربية السعودية، ومع اختلاف درجات التنسيق الإقليمي بين الدول الثلاث، إلا أنها تلتقي جميعاً في اللون المذهبي، الذي يشكل عاملاً مهماً من عوامل الصراع على الهيمنة الإقليمية الذي تشكّل كل من تركيا وإيران الطرفين الرئيسين فيه، فيما تشكل الدول العربية في الإقليم، قوى مساعدة تلتقي، أو تتبع هذا الطرف أو ذاك. أما خط العرض فيبدأ من إيران ويمتد نحو العراق، ليقطع خط الطول في نقطة في المساحة السورية الفاصلة بين تركيا والأردن.

خط الطول السوري يشكل رأس النفيضة في الهجوم على سوريا، من أجل إسقاط النظام فيها، وان اختلفت النوايا وآليات التدخل بين عناصره، فتركيا التي ترفع راية التغيير في العالم العربي، تهدف إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، من خلال تفعيل دورها كوكيل لأعمال حلف الناتو في المنطقة، لاسيما بعد نجاح دورهما المشترك في إسقاط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، ووضوح دور تركيا المتنامي في كل من مصر وتونس، إثر صعود قوى الإخوان المسلمين في كلا البلدين، الأمر الذي مهد الطريق لتدخلها المباشر والقوي في الشأن السوري الداخلي، إلى حدّ احتضان قوى المعارضة السورية في أنقرة واسطنبول وتقديم الدعم المادي واللوجستي لهم، بل والعسكري المباشر أيضاً كتدريب المعارضة العسكرية ومدها بالسلاح والعتاد، إضافة إلى عقد اجتماعات ومؤتمرات المعارضة بكل أطيافها على الأراضي التركية. أما دخول الأردن على خط التدخل في الأزمة السورية، فإنه وإن لم يكن قوياً، مثلما هو حال تركيا والسعودية، إلا أن خطورته تكمن في قوة وشائج العلاقات الاجتماعية والعشائرية بين أبناء الشعبين السوري والأردني في منطقة الحدود التي تجمع بين محافظتي درعا التي شهدت أولى شرارات الحراك الشعبي السوري، ومدينة الزرقاء الأردنية، التي احتضنت أعداداً من السوريين الفارين من جحيم المواجهات العسكرية في المدينة. أما المملكة العربية السعودية، فإن الهاجس الأكبر لتدخلها الساخن في الملف السوري، والذي توج أخيراً بخطاب وزير خارجيتها سعود الفيصل في الاجتماع الوزاري العربي، والذي عدّه  المراقبون، بيان إعلان حرب سعودي على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فأنه يأتي على خلفية الصراع المزمن بين الدولتين، وخاصة في ميدان الصراع الدائم، وهو الساحة اللبنانية، إضافة إلى الصراع على الساحة العراقية بعد عام 2003، والذي جعل العلاقة بينهما في حالة مد وجزر، وصلت حد القطيعة بعيد اقتراب موقف الرياض من موقفي أنقرة والدوحة الداعيين إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

خط الطول السوري يشكّل موقفاً متجانساً مع التحالف الستراتيجي بين سوريا وإيران، والذي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، وتمثل في التنسيق العالي لموقفي البلدين في الكثير من الملفات الإقليمية الساخنة، ولاسيما ملفي لبنان وفلسطين، حيث وصل موقف البلدين منهما حد التطابق، كما أن التهديد الأميركي–الغربي المتواصل للبلدين، زاد من درجة التقارب بينهما ودعم كل منهما للآخر في مختلف المجالات. أما الموقف العراقي، فإنه، وبرغم التباين في موقف مختلف الكتل السياسية، إلا أنه على المستوى الرسمي يمثل وعياً بخطورة التغييرات في موازين القوى الدينية والمذهبية ومدى ارتداداتها على المشهد العراقي، كما أن مصلحة العراق الاقتصادية في هذه المرحلة تستوجب بقاء الأبواب مشرّعة بين بغداد ودمشق، لمصلحة البلدين والشعبين، وبما ينسجم مع مصلحة مئات آلاف العراقيين المقيمين في سوريا.

الخط الأول، يشكل تهديداً جدياً لزعزعة النظام في سوريا، إن لم يكن لإسقاطه، أما الخط الثاني، فهو يمثل ضمانة لإطالة عمر النظام، بانتظار مبادرة جدية لحل الأزمة، من الناحية الاقتصادية، على أقل تقدير.

التعليقات معطلة