«الفسابكة» مفردة طريفة لهواة الفيسبوك العرب، ابتدعها الكاتب اللبناني أحمد بيضون، وسمّاهم «معشر الفسابكة»، «ترسيخاً لعروبتهم لكنه لم يشتق الاسم المفرد من هؤلاء وفي ظنّه أنهم لا يبرحون حال الجمع ولا مفرد لهم، نظراً إلى فعل التواصل «الفيسبوكي»، الذي ينبذ فكرة الفرد، جاعلاً إياه شخصاً في جماعة، معروفة أو افتراضية»، حسب الحياة اللندنية.

والفسابكة فرق متعددة، تتقسم حسب أهداف الاستخدام الذي يصل أحياناً إلى حد الإدمان، فمنهم من يتسكع على صفحات عباد الله، يرشقهم بما تحتوي جعبته من ألفاظ نابية، ويفرض عليهم مفردات واستخدامات لغوية ما أنزل الله بها من سلطان، أما صفحات النساء، فهي مترع لهذا النوع من الفسابكة، يبدأها بعرض الصداقة، وحين تفلح خطوته الأولى، يبادر إلى الهجوم بأكثر كلمات الغزل فتكاً، دون أن يحسب أيّ حساب للنتائج، لأنّه يعتقد أن تلك الصفحات، هي صفحات ماء، يرمي صنارته في أعماقه بانتظار صيد، لا أهمية لثمنه أو قيمته، فهو حسب كل القياسات صيد سهل.

ومن الفسابكة من يستخدم الفيسبوك لترويج بضاعته الكاسدة، بضاعة فكرية قوامها عفن التعصب الأعمى، قومياً كان، أم دينياً، أم طائفياً، رامياً الآخرين بأقذع الصفاة دون مراعاة لمشاعرهم أو معتقداتهم.

ومن الفسابكة أيضاً، أدباء وفنانين ومفكرين ومثقفين، اختاروا الفيسبوك للتواصل مع الآخرين، وتوصيل نتاجاتهم على أوسع نطاق ممكن، محققين الكثير مما لا تستطيع الصحف الورقية توصيله، وهؤلاء وجدوا في الفيسبوك فرصة لخلق تجمعات ومجموعات اختزلت المسافات والوقت، وقادت إلى تكوين حركات أدبية وفكرية، شكّلت مسرحاً لتلاقح الأفكار بينهم، وولدت نتاجات متميزة على كل المستويات.

الأحزاب والفصائل السياسية هي الأخرى لم تفتها فرصة الدخول إلى عالم الفسابكة، فراحت تنشأ صفحاتها الخاصة للتواصل بين أعضائها من جانب، وكسب أعضاء جدد من جانب آخر، وقد وفر عليها الفيسبوك الكثير من الجهد والمال، لتصل إلى قطاعات واسعة من شعوبها.

لكن الأخطر في عالم الفسابكة، هو التواصل بين مجاميع الشباب التي فجرت ثورات الربيع العربي، ولاسيما في تونس ومصر، حيث نجحت تلك الثورات في الإطاحة بنظامي الرئيسين زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، لتنتزع توصيفاً عالمياً ارتبط بها، وهو ثورات الفيسبوك، التي انتقلت بيسر من أجهزة الكومبيوتر إلى ساحات التغيير والتحرير.

ومن انجازات الفسابكة أيضاً، صفحات التسوق والزواج والتعارف بين الجنسين، فقد تناقلت العديد من الصحف أخبار صفقات بيع وشراء مهمة تمت عبر الفيسبوك، وكذلك أخبار زيجات تمّت حالها حال الزيجات التقليدية، غير أنها اختزلت الكثير من الجهد والوقت في الطريق إلى الزواج. 

الصرعة الجديدة في عالم الفسابكة، هي تأجير الصفحات المهمة للمرشحين للانتخابات، والصفحات المهمة، هي تلك التي تحتوي أكثر من خمسة وعشرين عضواً أو صديقاً، وفق معايير الفسابكة، وفي الانتخابات الكويتية الأخيرة وصل سعر إيجار هذه الصفحات أكثر من خمسين ألف دينار، أي ما يزيد على مئة وخمسين ألف دولار.

وفي العودة إلى مصطلح الفسابكة الذي أرساه بيضون، فقد جعله الشاعر رامي الأمين عنواناً لكتاب هو «معشر الفسابكة»، تبنّت طباعته دار الجديد اللبنانية وقد أولته اهتماماً نشراً وتحريراً.

إنّه عصر الفسابكة بعد أن أصبحوا طرفاً حيوياً في المعترك الثقافي العربي الراهن، وظاهرة لا يمكن التغاضي عنها ولا تخطّيها.. إنهم الآن يحتلون «الساحة» على اختلاف جغرافيتها.

التعليقات معطلة