حين يسأل أحد أبطال رواية دوستوفسكي (الأخوة كارامازوف) عن ما هو الجحيم؟ يأتي الجواب مباشرا:(هو فقدان القدرة على الحب)،، وما أبغيه من موضوعنا اليوم يتعلق بالجانب الانساني البحت، فالحب(هالحرفين مش أكثر) كما تقول أغنية (وديع الصافي) يبقى القاسم المشترك لمعنى قيمة استمرار الحياة على نحو راق،، من هنا يأتي هذا المدخل الاستهلالي تمهيدا لقص شريط الفكرة التي أبغي تناوله حول المعمر العراقي الذي تناقلت وسائل الاعلام خبر منحة الجنسية البريطانية،، بداية هذا العام،، رغم بلوغه (104) اعوام، فقد وصل هذا الشيخ الحالم بتوافر الأمن المطلوب والسعي للسعادة التي ينشدها وهو بعمر(98) عاما – لاجئا الى لندن عاصمة الضباب أو(الكفن الثلجي) كما كان يسميها شاعر المطر بدر شاكرالسياب أثناء فترة علاجه في أحد مستشفياتها في ستينيات القرن الماضي،، وبعد مضي ست سنوات على تواجد ذلك المعمر العراقي حصلت موافقة سلطات تلك الدولة على منحه الجنسية من دون النظر والوقوف عند حدود شرط العمر.. وكم نتمنى لمعمرنا (بطولة العمر) ودوام الصحة وتزايد الأحلام بما تبقى من عمره،، فالاعمار بيد الله الواحد الأحد.
وكم أشعر وأتحسس حجم حرارة الحب وطراوة (الحنية) التي غمرت وملأت قلب الرجل العجوز ومشاعره،، لكي يقضي ما تبقى من العمر في أمان وراحة بال بعيدا عن القيل والقال وكثر السؤال عن الصحة والجيب والأحوال، بعيدا عن (منية) رواتب شبكة الحماية الاجتماعية ومشاكلها،، ومعضلة حسم زيادة رواتب المتقاعدين،، فضلا عن مشاكل أخرى معروفة ومحفورة في قلوب كل الذين تتعدى اعمارهم حدود تلك المرحلة التي مر ويمر بها انساننا-هنا- بشكل مضاعف من فرط هموم وخوف عراق الحروب والندوب والحصار وعنتريات القائد الضرورة وصولا الى منغصات ومخاوف ومشاحنات الكتل والإئتلافات بحاصل كل ما نحن فيه في ربوع عراقنا الجديد.
ما آثار شجوني وفتح عيون ظنوني أكثر في قصة مواطننا المعمر وقد استجابت القوانين الانكليزية الصارمة والحساسة لطلبه على هذا النحو من الحنو الانساني وبغض النظر عن الجنس والعرق والعشيرة والقبيلة وما شاكل،، هو ما صادفني العام الماضي بخصوص رفض معاملة القرض العقاري لأحد أقاربي من أجل بناء بيت لعائلته يأوي أفراد عائلته ويؤمن مستقبلها وسبب الرفض يعود الى تجاوز صاحب العلاقة السن القانونية الذي يشمل المستفيدين لقيمة ذلك القرض البالغ ثلاثين مليون دينارعراقي، أي ما يعادل خمسة وعشرين ألف دولار أمريكي أي(شدتين ونص) بلغة أهل السوق، ويحدد السن القانونية الذي يحرم بموجبه الفرد العراقي من مجد ذلك القرض هو(63) عاما وهو العمر الذي حدده قانون التأمين على الحياة في عراق(المصايب والطلايب) جراء ما ذكرنا قبل قليل، وحين نعرف السبب،، يزداد عندنا العجب فالقانون لايكفل الانسان العراقي بهذا المبلغ البسيط خشية أن يفارق الحياة قبل تسديده والفوائد البالغة 2% من قيمة ذلك القرض!