(1964) ذلك عام لا يغادر الذاكرة، وثمة من ينصب (حالي) المكسور، أو يرفع (خبري) المنصوب، أو يمنع (ممنوعا من الصرف) صرفته، ولكنه يثني على (خواطري)، ويحثني على (النشر)، وأنا فتى يستحي من النظر إلى نفسه في المرآة، فكيف لي أن اقتحم أبواب الصحف وبيني وبينها وجل ورهبة وحياء؟!
في ذلك العام الذي ما زال يرهق وجداني، وقد بلغت التاسعة عشرة من العمر، وكان أولاد الحلال من أصدقائي الشجعان قد نشروا لي أكثر من مقالة أو خاطرة أدبية في هذه الجريدة أو تلك، قررت خلع عباءة الحياء والتردد، وتحليت بقدر من الشجاعة -وان كانت دون شجاعة أصدقائي- وتوجهت الى مبنى قديم في منطقة (الحيدر خانة)، اتخذت منه إحدى الصحف البغدادية مقرا لها، وبعد الاستفسار عن الشخص الذي يمكن أن يتسلم ( كتاباتي ) وجدت نفسي في داخل غرفة صغيرة بحجم زنزانة انفرادية عابقة بالضجيج الصادر عن مروحة منضدية عتيقة!!
أمامي تماما وراء منضدته، رجل كهل، يعتمر (سدارة) سوداء ورثها اغلب الظن من مخلفات الحرب الكونية الأولى، لا تغادر السيجارة فمه، كنت يومها ممسوسا بعشق السياب والشعر الحر ، ومتعلقا على أفكار سارتر واحلام ماركس وثقافة طه حسين وفي أعماقي (حصيري) خجول، أما الخوف فكان سيد الموقف وأنا أمثل أمامه!
(السلام عليكم) ولم تترك تحيتي الإسلامية أثرا على لسانه أو يده أو عينه، ولم يرد عليها بمثلها أو أحسن منها او أسوا منها، ورماد سجائره يتساقط فوق أكداس من الأوراق المبعثرة بفوضى غريبة، يمر بالشطب والحذف والتمزيق وهو يشتم الكتاب الأميين والجهلة ورأيت في لحظة الرعب تلك -وعرق تموز يلسع جلدي- أن مصيري سيكون كذلك إلى سلة المهملات، وتمنيت الهرب في أول مواجهة صحفية في حياتي، إلا أن فرصة الإفلات باتت مستحيلة، وأوهمت نفسي وقناعتي، أن الرجل لم يسمع، فأعدت عبارة (السلام عليكم) بآخر صيحات المنكسرين!!
من مكان ما حصلت على نصف تحية (وعليكم)، وأعقبتها بسؤال ينذر بقرب المعركة (ها …شتريد)، لا بأس حتى لو كان رده بصيغة الشتيمة، فقد تيقنت أن هذا الكائن يسمع وينطق، قلت له [عندي مقالة] ، وتكرم بأعجوبة ونظر لأول مرة من وراء نظاراته المهشمة، إلى خوفي وسنوات عمري وتسريحة شعري باستخفاف يمكن ملاحظته بالعين المجردة، ثم أملى علي شروطه [اسمع يا ولد … إذا كنت من الجماعة الذين يمدون أصابعهم في البحر ليلامسوا نجمة السماء، ويقولون هذا شعر حر، فلا مكان لك هنا !!]، ولم أرد عليه، رعبي هو الذي شتم الشعر الحر وحامله وشاربه وساقيه!!
نجحت في رسم الهشاشة على وجهه وغادرت الجريدة مرضيا عنه، ولكنني وقد أسلمت روحي إلى الشارع، وتنفست حريتي، شعرت بالقرف من نفسي، حيث كنت ملغوما بالانتهازية حتى أخمص قدمي، وكنت وما زلت أحاول تطهير ذاتي من ذلك الموقف الوحيد الذي ارقني على مدى خمسين عاما، وكنت ومازلت أعجب من أولئك الذين يبيعون أقلامهم، وينشدون ابتسامة السلطة، ويتربعون راضين مطمئنين على عرش من الذل والهوان!