السيد العادلي
رغم زحمة الأحداث العالمية وانتشار الإرهاب في العديد من العواصم والمدن الكبرى حول العالم وآخرها ما حدث أمس في المركز التجاري في مدينة ميونخ الألمانية، إلا أن الحادث الأكبر الذي يشغل بال المحللين والخبراء السياسيين في العالم كله، الانقلاب الفاشل الذي قام به مجموعة من الضباط الأتراك ضد حكم أردوغان في تركيا.
نتفق أو نختلف حول سيناريوهات الانقلاب سواء كان مدبرا من جانب أردوغان وحزبه كي يتمكن من تفصيل دستور جديد يخدم في النهاية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كي يتحكم في سير العملية السياسية ومستقبل البلاد سياسيا خلال العقود القادمة، أو أن هؤلاء الضباط كانوا يحلمون فعلا بثورة تصحيح ضد الفاشية الأردوغانية كما وصفوها.
هنا سؤال يطرح نفسه على الأحداث ويتساءل العالم الآن عن مستقبل تركيا بعد الانقلاب الفاشل الذي حدث يوم الجمعة الموافق 15 يوليو، خاصة أن هناك مخاوف حقيقية من محاولات أردوغان لتعزيز سيطرة حزب العدالة والتنمية على السلطة والتضييق على المعارضة المحلية أكثر، وضرب كل من تسول له نفسه الانقلاب أو النيل من هيبة الدولة التي تغيرت ملامحها خلال الأسبوع الذي تلا الانقلاب.
وكأن هذا الانقلاب أصبح عبارة عن نافذة ضوء قوية ومباركة لأردوغان لسحق دائرة الكيان الموازي الذي يتربص به منذ سنوات، ويتهم زعيمها فتح الله جولن بأنه وراء الانقلاب الفاشل، وهو الأمر الذي جعل أردوغان يطلب من أمريكا عدة مرات تسليم جولن للنظام التركي بتهمة محاولة الانقلاب علي الحكم في تركيا.
وقام بالفعل أردوغان وأنصاره في المؤسسات الحيوية التي زرعها بعمليات اعتقالات واسعة وصلت إلى 60 ألف عسكري وقاضي ومعلم ولواءات شرطة وقادة أحزاب وهو رقم خيالي يجعل المتابعين لهذا الانقلاب يعتقدون أن هذا الانقلاب عبارة عن تمثيلية أردوغانية للنيل من معارضيه بالدولة التركية ونشوب حرب علانية بين الحكومة التركية من جهة، وفلول الانقلاب وطالت يد الاعتقالات كل أنواع وأشكال الخونة سواء من دعم الانقلاب بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصًا بعد تأكيدات من الحكومة التركية أن لديها أسماء دقيقة لكثير من الأشخاص الذين يدعمون فكرة الانقلاب على الحكومة قبل القيام به، وأن هناك أكثر من 200 مليون دولار رصدتها دول بالمنطقة للإنفاق علي هذا الانقلاب بحد زعم بعض المسئولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس أردوغان.
وينظر الاتحاد الأوربي بقلق بالغ للتطورات السريعة التي تمر بها الدولة التركية بعد الانقلاب الفاشل، وأصبح هناك قلق متزايد بعد مطالبة أردوغان نفسه بعودة أحكام الإعدام بعد أن تم إلغاؤها في عام 2004 للوفاء بالمعايير اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولم تعدم أحدًا منذ 1984 وعبرت ألمانيا عن قلقها بعد إعادة حكم الإعدام إلى القانون التركي، وأن هذا الأمر سينهي تماما على فرصة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
كما تحدثت أمريكا وحلفائها عن مشاهد وصفتها بالـ “مقززة” من التعسف والانتقام بعد فشل الانقلاب في تركيا، وقد وردت تصريحات من الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة تفيد بأنه على تركيا احترام الديمقراطية والحريات وأن العدسة الأوروبية أصبحت مسلطة الآن أكثر من أي وقت مضي على ما يحدث في تركيا وأن القوى الغربية تتابع بقلق بالغ التطورات التي تحدث لحليفتها وعضو حلف شمال الأطلسي التي أصبحت تعيش في منطقة تعاني من الحروب والإرهاب والهجرة، وتملك ثاني أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أيضا حليف أساسي للولايات المتحدة ضد داعش بعد أن وافقت في الأشهر الأخيرة على فتح قاعدة إنجرليك الجوية أمام طيران التحالف الدولي الذي ينفذ طلعات جوية في سوريا والعراق ضد داعش، وأصبحت الأراضي التركية عبارة عن مطار كبير تهبط فيه وتقلع منه طائرات حلف شمال الأطلسي في الوقت الذي تشاء وتفعل ما تريد في أي وقت.
لكنهم وأقصد “القوى الغربية يعلمون جيدا أن أردوغان قبل الانقلاب ليس هو أردوغان بعد الانقلاب، وأن العملية الانقلابية الفاشلة أظهرت بعض التصدعات والتشققات في أجهزة معينة في الدولة، وقد أظهرت هشاشة نسبية كادت تسيطر على الدولة والحكم، وكاد حلم أردوغان يتبخر في لحظات، لكن القدر والحرب الجوية التي دارت في سماء تركيا والطيران الأمريكي الموجود في قاعدة “إنجرليك الجوية” وسقوط عدد كبير من الطيران التركي وصل إلى 25 طائرة أجهضت مخطط الانقلاب إلى حد كبير.
لكن هناك تأكيدات على أن أردوغان سيستخدم كل الطرق والأساليب المشروعة وغير المشروعة لإخضاع خصومه السياسيين محليًا وإقليمًا ودوليًا في تنفيذ وتطبيق العديد من الملفات الحساسة التي يخطط لها، ضامنًا بين يديه إرادة الشارع والأحزاب إلى رفضت الانقلاب، وأيدت الحكومة المنتخبة ديمقراطيا والتي حمت الشرعية وسعت للتخلص من الانقلابيين بنزولهم إلى الشوارع تلبية لطلب الرئيس، وأن هذا الرئيس سيستغل تحويل النظام السياسي في البلاد إلى نظام رئاسي بشكل مطلق دون أدنى معارضة، ومن يختلف معه سيكون الاعتقال وقد يكون الإعدام وسيكون أردوغان قد جمع بين يديه كل أوراق اللعبة السياسية في البلاد، ويسعى للقيام باستفتاء والتصويت لصالح تعديل دستور البلاد وتغيير النظام السياسي، حيث يهدف أردوغان لتبني فكرة النظام الرئاسي الشبيه بالنظام الموجود في الولايات المتحدة بما يعزز سلطاته كرئيس، وفي هذه الحالة يكون قد نجح في قتل ملك الشطرنج الذي كان ينظر له أنه الوحيد القادر على منافسته في المستقبل، وأقصد هنا “جولن ورفاقه” الذين يمثلون صداعا مزمنا في رأس السلطة التركية والحلم الأردوغاني.
وقبل القيام بخطوات تمكين النظام الرئاسي، لابد أن يقوم أردوغان بعدة خطوات مهمة وهي:
-إعادة هيكلة الجيش وتسكين أنصاره على رأس الأسلحة الحساسة مثل الدفاع الجوي والبري وإخضاع الجيش وسلطاته وقياداته لإعادة هيكلة تضمن ولاء القادة العسكريين للحكومة واستراتيجيتها وبتر أي محاولة انقلاب أخرى في المستقبل، ومن المتوقع أن يتم فصل تام لجهاز الاستخبارات العسكرية عن سلطة الجيش لأن الجهاز أثبت فشله أو تواطؤ القائمين عليه مع الانقلابيين والكيان الموازي، وأن تتبع الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة بحيث تستقي أوامرها النهائية من الرئيس وتشكيل جهاز للأمن القومي يضم فيه جهازا للاستخبارات العسكرية والشرطة، وأن يعيد تشكيل جهاز المخابرات الحربية بالكامل، خاصة أن هناك تأكيدات تقول أن جهاز المخابرات كان يعلم بموعد حدوث الانقلاب قبله بخمس ساعات ورفض إبلاغ أردوغان.
-التواصل مع الأحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد بعد الانقلاب وشكرهم على موقفهم المشرف الداعي لاحترام القانون والشرعية وحماية الديمقراطية في البلاد، وهو الأمر الذي يجعله يتقرب أكثر من المعارضة خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا تم اعتماد النظام الرئاسي لأنه يعلم أن حجم المعارضة سيزيد بشكل كبير، وبالتالي عليه الاعتماد على قادة المعارضة الموالين له لتنفيذ مخططه الرئاسي.
-تغيير خريطة التحالفات التركية الإقليمية والدولية وفتح صفحات جديدة مع الدول التي كان قد تسبب في زيادة الشقوق السياسية مع بلاده مثل روسيا والتخلي عن المملكة العربية السعودية التي كادت تورطه في سوريا والعراق ليترك المملكة تواجه عواصف كبيرة خلال المرحلة المقبلة قد تنتهي بتفكيكها إلى عدة دويلات وانتهاء حكم آل سعود.
في النهاية يجب أن يعلم أردوغان ورفاقه أن اللعبة لم تنته بعد، وأنه رغم انتصاره الساحق ووأد الانقلاب في ساعتين تقريبا، إلا أنه مازال يشعر بأن هناك انقلابا قادما وأنه من الممكن حدوث محاولة انقلابات جديدة قادمة لكنها لن تكون سهلة لأن التاريخ أثبت أن الانقلاب الفاشل يعقبه انقلاب ناجح، وأن محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذتها مجموعة من الجيش التركي على أردوغان، لا تعني أن الأمور استتبت وأن الأخير أحكم سيطرته على الجيش، خاصة بعد الإهانات النفسية التي قام بها أنصاره خلال الأسبوع الفائت، وأن الجيش لن يسمح بأن يتحول إلى أداة يحركها أردوغان كيفما يشاء، وأن أردوغان سيخطئ خطأ كبيرا عندما يتصور أن الانقلابات أمر لحظي يمكن السيطرة عليه وإخمادها وينتهي مفعولها سريعا، كما أن الجيش لن ولم ينس أن هناك سبعة آلاف من قادته وجنوده أصبحوا رهن الاعتقال وقتل الكثير منهم على أيد أنصاره بعد دعوته لهم للنزول للشارع لحمايته من العسكر كما وصفهم .